يتم التحميل...

الوحدة وتحقق العزّة والشموخ للأمة

عندما بعث الله تعالى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ليكون الشعاع الذي يضيء صحراء المجتمع البشريّ المظلمة وليجعل الحجاز مركز إشعاع أنوار الوحي، كانت سلاسل الأسر التي تساهم في تحجر وتجميد أفكار الناس تتهاوى الواحدة بعد الأخرى، وتمّ القضاء على العداء والبغض ببركة نور الحقّ ونبع التوحيد الفوّار على الدوام، فاقتربت القلوب من بعضها، وسادت الرحمة بين أبناء البشر وجاءت هذه الثورة المعنويّة والتحوّل الفكريّ ليحملا معهما الهدوء والأمن والألفة وحُسن التفاهم.

عدد الزوار: 11

‏الوحدة وتحقق العزّة والشموخ للأمة

عندما بعث الله تعالى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ليكون الشعاع الذي يضيء صحراء المجتمع البشريّ المظلمة وليجعل الحجاز مركز إشعاع أنوار الوحي، كانت سلاسل الأسر التي تساهم في تحجر وتجميد أفكار الناس تتهاوى الواحدة بعد الأخرى، وتمّ القضاء على العداء والبغض ببركة نور الحقّ ونبع التوحيد الفوّار على الدوام، فاقتربت القلوب من بعضها، وسادت الرحمة بين أبناء البشر وجاءت هذه الثورة المعنويّة والتحوّل الفكريّ ليحملا معهما الهدوء والأمن والألفة وحُسن التفاهم.
 
إنّ التعاليم الإسلاميّة، تنحو منحى الدعوة نحو اتحاد المسلمين وتضامنهم بغضّ النظر عن التنوّع القوميّ والعرقيّ واللغويّ ورغم الفِرَق المتعدّدة الموجودة.
 
إنّ الإله الذي يعبده المؤمنون واحد. شعارهم لا إله إلا الله والجميع مؤمنون بالرسالة المحمّدية. ويعبتر كافّة المسلمين أنّ القرآن هو كتابهم المقدس ويتلونه تقرّباً إلى الله تعالى، والقانون الحاكم على كافّة المسلمين موجود في هذا الكتاب الإلهيّ، الجميع يتوجّه في الصلاة نحو قبلة واحدة، والأذان عند الجميع واحد، والجميع يصومون في شهر واحد، والجميع يعتبر الأوّل من شوّال ويوم الأضحى عيداً له، والجميع يتوجّه في ذي الحجّة لأداء فريضة الحج. وجميع المسلمين يحملون الحبّ والاحترام لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهذه أمور يمكنها أن تقرّب القلوب إلى بعضها وتُحيي فيهم روح الأخوّة[1].
 
أكّد القرآن الكريم وكذلك العترة الطاهرة على الوحدة بين الناس وبذل علماء الشيعة والسنة جهوداً كبيرة في هذا المضمار يزول معه كلّ شكّ وسوء فهم ليمنعوا المتردّدين والشاكّين من إمكانيّة الوحدة، ولعلّ العناوين الآتية تشكّل النقاط المشتركة للتقريب والذي تعود جذوره إلى الأبحاث الاعتقاديّة، ومن جملة هذه العناوين:

الاعتصام بحبل الله
1- يبيّن القرآن الكريم أنّ الاعتصام بحبل الله والتأليف بين القلوب ، نعمة إلهية: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾[2].
 
أشار القرآن الكريم في الآية الشريفة إلى مجتمعين متضادّين: الأول التفرقة المترافقة مع الخصومة والتي ظهرت في زمان الجاهليّة، والثاني الوحدة والأخوّة التي ظهرت مع الإسلام. أراد القرآن الكريم الالتفات إلى آثار اللطف الإلهيّ والدور الأساسيّ له في ظهور هكذا تحول روحيّ ومعنويّ فذكّرهم ودعاهم إلى المقارنة بين هاتين الحالتين.
 
2- بعث الله تعالى الأنبياء لتوجيه الناس نحو الوحدة من خلال تعاليمهم التوحيدية ودعوة الناس إلى إقامة الدين الإلهيّ وبالتالي الابتعاد عن التفرقة في الدين.
 
جاء في القرآن الكريم: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾[3].
 
3- تحدث الإمام عليّ عليه السلام في وصيّته الأخيرة إلى ابنه الإمام الحسن عليه السلام وقال: "أوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهلي ومن يبلغه كتابي بتقوى الله ربّكم ولا تموتنّ إلّا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا".
 
4- يتحدّث الإمام الخميني قدس سره حول هذا الموضوع ويقول: "قدّم الإسلام تعاليمه وقال: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾، ليتقدّم الجميع مع بعضهم البعض، وكافّة الطبقات مع بعضها البعض، للاعتصام بحبل الله بالالتفات إلى الله العظيم. إنّ التخلّف عن هذا الأمر الإلهي جريمة ومعصية. الإسلام هو الذي أمر بالاعتصام بحبل الله"[4].
 
وأشار في مكان آخر فقال: "إذا أرادت الأمم والدول الوصول إلى النصر والأهداف الإسلامية بكامل أبعادها والتي فيها سعادة البشر، عليها الاعتصام بحبل الله ، الابتعاد عن الاختلافات والتفرقة وإطاعة أوامر الحقّ تعالى"[5]. ويعتبر الإمام قدس سره أن اتحاد المسلمين بركة ويقول: "هذه بركة كبيرة أن نجتمع نحن وجميع أخوتنا أهل السنّة والشيعة في مكان واحد وأن نسعى جميعنا لأجل الإسلام"[6].
 
5- يقول رسول الإسلام الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "من فارق جماعة المسلمين فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. قيل: يا رسول الله، وما جماعة المسلمين؟ قال: جماعة أهل الحقّ وإن قَلُّوا"[7].
 
ويقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "ثلاث لا يَغلُّ عليهنّ قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة لأئمّة المسلمين، واللزوم لجماعتهم"[8].
 
يقول الإمام عليّ عليه السلام: "والزموا السواد الأعظم فإنّ يد الله مع الجماعة وإيّاكم والفُرقة فإنّ الشاذّ من الناس للشيطان كما أنّ الشاذّ من الغنم للذئب"[9].
 
وتشكّل سيرة الإمام عليّ عليه السلام أهمّ نموذج لأتباعه في الدعوة إلى التوحيد والتفاهم. صحيح أنّ الإمام عليه السلام منصوب من قبل الله تعالى وهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا منازع وصاحب الولاية الإلهيّة المطلقة، ولم يدع أيّ وسيلة إلّا اتّبعها لإثبات حقّه المسلّم وليضع الإمامة في مدارها الصحيح، إلّا أنّه لم ينهض ولم يثر في وجه من اغتصب حقّه ولم يستلّ السيف لأجل ما أصاب السيدة الزهراء عليها السلام من ظلم وقهر مع أنّ هذا الوضع كان قاسياً مرّاً عليه وقد أشار إلى ذلك في خطبته الشقشقيّة. نعم سكت الإمام عليه السلام عن كل ذلك لأجل مصلحة وهي الحفاظ على إرث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والاتحاد بين المسلمين والحؤول دون التفرقة بين المسلمين[10].
 
* من كتاب: روضة المبلغين (3)- جمعية المعارف الإسلاميّة الثقافية


[1] تعليقات الشهيد مطهري، ج1، ص202 ـ 217.
[2] سورة آل عمران، الآية: 103.
[3] سورة الشورى، الآية: 13.
[4] صحيفة نور، ج6، ص89.
[5] في البحث عن الطريق من كلام الإمام، ج15، ص152.
[6] المصدر نفسه، ص 121.
[7] أمالي الشيخ الصدوق، ص 297.
[8] الكافي، ج 1، ص 403.
[9] نهج البلاغة، الخطبة 127.
[10] نهج البلاغة، الرسالة 62.
 

2026-03-31