يتم التحميل...

آلية اختيار الولي الفقيه في الجمهورية الإسلامية الإيرانية

يعتبر النظام السياسي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية من الأنظمة الفريدة على صعيد المؤسسات الدستورية التي فيه وآليات الانتخاب والمراقبة والتعيين. ويُعدّ مجلس خبراء القيادة، الذي من خلاله يتم اختيار القائد، من أكثر مؤسسات الجمهورية الإسلامية ثورية، بمعنى كونه الأكثر ارتباطاً بالثورة الإسلامية وروحها؛ وهذا ما أكّده الإمام الخامنئي (قدس سره) في لقائه مع أعضاء المجلس في تشرين الثاني من العام 2024، حيث أضاف: «السبب وراء استخدامي تعبير الأكثر ثورية هو دور هذا المجلس في اختيار القيادة؛ فهذا أمر بالغ الأهمية، وهو دور فريد من نوعه»

عدد الزوار: 21

 آلية اختيار الولي الفقيه في الجمهورية الإسلامية الإيرانية
 
يعتبر النظام السياسي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية من الأنظمة الفريدة على صعيد المؤسسات الدستورية التي فيه وآليات الانتخاب والمراقبة والتعيين. ويُعدّ مجلس خبراء القيادة، الذي من خلاله يتم اختيار القائد، من أكثر مؤسسات الجمهورية الإسلامية ثورية، بمعنى كونه الأكثر ارتباطاً بالثورة الإسلامية وروحها؛ وهذا ما أكّده الإمام الخامنئي (قدس سره) في لقائه مع أعضاء المجلس في تشرين الثاني من العام 2024، حيث أضاف: «السبب وراء استخدامي تعبير الأكثر ثورية هو دور هذا المجلس في اختيار القيادة؛ فهذا أمر بالغ الأهمية، وهو دور فريد من نوعه»[1].

وفيما يلي سنتعرض لآلية اختيار الولي الفقيه في الجمهورية الإسلامية، والأساس الشرعي لهذا الموقع المهم، والشروط التي يجب توفرها ودور الأمة وضمانات الاستمرار.

الجذر الشرعي لاختيار الولي الفقيه: نيابة الفقيه عن الإمام الغائب (عجل الله تعالى فرجه)
تنبثق شرعية مجلس الخبراء في اختيار القائد من المنظومة الفقهية الإمامية التي تجعل الفقيه الجامع للشرائط نائباً عن الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) في عصر الغيبة. وهو ما نصّ عليه الإمام الثاني عشر في توقيعه الشريف: «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله»[2].

ومن هذا المنطلق الشرعي جاء النص الدستوري الذي يُسند إلى مجلس الخبراء صلاحية اختيار الوليّ الفقيه والإشراف على أدائه. فالمادة 107 من الدستور الإيراني المعدَّل عام 1989م تنصّ صراحةً على «توكل مهمة تعيين القائد إلى الخبراء المنتخبين من الشعب. ويتدارس هؤلاء الخبراء ويتشاورون بشأن كل الفقهاء جامعي الشرائط المذكورين في المادتين 5 و109. ومتى ما شخصوا فرداً منهم، باعتباره الأعلم بالأحكام والموضوعات الفقهية أو المسائل السياسية والاجتماعية، أو يحظى بشعبية عامة أو بتميز بارز في إحدى الصفات المذكورة في المادة 109، ينتخبوه للقيادة»[3].

المكانة الثورية للمجلس في بنية النظام
يرى الإمام الخامنئي (قدس سره) أن أهمية مجلس الخبراء تكمن في كونه المتصدّي لتعيين المسؤول عن «الحفاظ على توجيه النظام نحو هدف الثورة»، وهي «المسؤولية الأساسية للقيادة». فمكانة القيادة في هيكل النظام الإسلامي تتحدّد بصون حركة الثورة نحو غايتها الكبرى المتمثلة في تحقيق التوحيد في الحياة الاجتماعية[4].

وقد اشترط الإمام الخامنئي (قدس سره) أن تُبذل في عملية الاختيار «أقصى درجات الدقة والاهتمام»، مستنداً إلى النص الدستوري الذي حدّد للقائد شروطاً محددة. وبيّن «أن أحد أهمّ هذه الشروط هو الاعتقاد القلبي الرّاسخ بمسار الثورة الإسلاميّة وهدفها. يجب أن يكون هذا الاعتقاد حاضرًا. يجب أن يتوفّر الاستعداد للحركة المستمرّة دون تعب أو توقّف في هذا الطريق لدى أحدهم حتى يكون جديرًا بهذه المسؤوليّة»[5].

شروط الوليّ الفقيه وآلية اختياره
1.  شروط اختيار الولي الفقيه

حدد الدستور الإيراني بشكل واضح الشروط التي ينبغي على مجلس الخبراء التحري عنها حين اختيار الولي الفقيه والقائد الجديد للجمهورية الإسلامية، وهذه الشروط هي كما في المادة 109:
أولاً: الكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء في مختلف أبواب الفقه.
ثانياً: العدالة والتقوى، وهما من الملكات الضرورية واللازمة لقيادة الأمة الإسلامية.
ثالثاً: الرؤية السياسية الصحيحة والكفاءة الاجتماعية والإدارية والتدبير والشجاعة والقدرة الكافية على القيادة.[6]

2. دور الأمة في تشكيل مجلس الخبراء
يسبق اختيارَ الوليّ الفقيه انتخابٌ شعبي مباشر لأعضاء مجلس الخبراء أنفسهم؛ وهذا المجلس المنتخب من الشعب مباشرة هو الذي يتعين عليه اختيار قائد الجمهورية الإسلامية. وبهذا تُحقِّق الأمة حقَّها في الاستخلاف المستمَدّ من الله تعالى، فهي صاحبة الحق في ممارسة السلطة «بالطريقة التي يعيّنها الدستور الإسلامي».

وتُعدّ هذه الآلية تجسيداً عملياً للتوازن بين الشرعية الدينية والمشاركة الشعبية؛ فالأمة تنتخب المجلس، والمجلس يختار الوليّ الفقيه وفق الشروط التي حددها الدستور، فتتحقق بذلك الوصاية الشرعية والإرادة الشعبية في آنٍ واحد.

3.  آلية الاختيار عند شغور منصب القيادة
نصّ دستور الجمهورية الإسلامية في المادة 111 على أنه إذا توفّي القائد أو استقال أو تم عزله، فإن مجلس الخبراء يتولى في أقرب وقت ممكن تعيين قائد جديد. وقد أكّد الإمام الخامنئي (قدس سره) أن الغاية من هذه الآلية تكمن في ضمان استمرار حركة النظام دون توقف: «لو أن هذا الشخص الموجود غاب، سيُبادر مجلس خبراء القيادة فوراً ويحدّد الشخص التالي»[7].

ضمانات الاستمرارية والغاية الكبرى
حرص المشرِّعون في الجمهورية الإسلامية على أن يكون مجلس الخبراء ضامناً لاستمرارية القيادة واستقرارها؛ فالنظام الإسلامي، في تصوّرهم، لا يقوم على شخص بعينه بل على منظومة مؤسسية متجذّرة في الفقه والدستور. وقد استشهد الإمام الخامنئي (قدس سره) بالتجارب التاريخية لإثبات أن الثورات التي لم تبنِ مؤسسات راسخة كالثورة الفرنسية مثلاً، انتهت إلى الانتكاس في أقل من خمس عشرة سنة[8].

1. مبدأ عدم التوقف على الأشخاص
يُؤسِّس مجلس الخبراء لمبدأ جوهري في النظام الإسلامي، وهو أن «النظام الإسلامي والثورة الإسلامية لا يعتمدان على شخص معين، فالأشخاص لهم أدوار ومهام يجب أن يؤدّوها، وتقع على عاتقهم مسؤوليات مهمة يجب أن ينهضوا بها، لكن النظام لا يعتمد عليهم، وهو قادر على مواصلة طريقه». وهو مبدأ قرآني راسخ: ﴿أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ آل عمران، 144.[9]
وقد وجّه الإمام الخامنئي (قدس سره) هذا المعنى القرآني مباشرةً إلى مجلس الخبراء، موضّحاً أن استعداد المجلس وحضوره الدائم يحمل بذاته دلالةً رمزية وعملية عميقة: فهو يُثبت للمسلمين وللعالم أن الثورة الإسلامية لا تنتهي بغياب رجل، مهما بلغت منزلته.

2.  دور مجلس الخبراء في الرقابة الدائمة
لا يقتصر دور مجلس الخبراء على لحظة الاختيار، بل يمتد إلى الرقابة الدائمة على أداء الوليّ الفقيه والتثبّت من استمرار توافر الشروط فيه.
وتتضافر هذه الرقابة مع دور الأمة في انتخاب أعضاء المجلس دورياً لتشكيل منظومة ضبط متكاملة: فالأمة تحاسب المجلس عبر صناديق الاقتراع، والمجلس يحاسب القائد عبر الرقابة الدستورية.

3. الهدف الأعلى: تحقيق التوحيد في الحياة الاجتماعية
تنتهي منظومة مجلس الخبراء وآلية اختيار الوليّ الفقيه إلى غاية كبرى جمعها الإمام الخامنئي (قدس سره) في كلمة واحدة: «التوحيد». فـ«هدف الثورة الإسلامية عبارة عن تحقيق التوحيد في حياة الناس... ويجب أن يتحقق هذا المفهوم في حياة المجتمع». ولهذا يبدو مجلس الخبراء في حقيقته مؤسسةً تعمل على ضمان ألّا تنحرف السفينة عن مسارها الرباني، بأن يكون دائماً على رأسها ربّانٌ فقيه عادل مؤمن بأهداف الثورة ومستعد للحركة دون تعب.

وقد استدلّ الإمام الخامنئي (قدس سره)  بحادثة أُحد حيث أنزل الله تعالى آيته الكريمة تحذيراً من الارتداد حين انتشرت شائعة استشهاد النبي (صلى الله عليه وآله): ﴿أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ آل عمران، 144. ومن هذا المعنى القرآني تنبثق الحكمة الكاملة من وجود مجلس الخبراء في نظام الجمهورية الإسلامية: ضمان أن تُفضي مرحلة الانتقال في موقع القيادة إلى تجديد وامتداد[10].


[1]الإمام الخامنئي (قدس سره)، النص الكامل لكلمته في لقاء مع أعضاء مجلس خبراء القيادة بمناسبة انتهاء الملتقى الثاني من الدورة السادسة، 07/11/2024. منشور على موقع KHAMENEI.IR بتاريخ 10/11/2024.
[2]المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصحَّحة، ج 35، ص 180. التوقيع المروي عن الإمام المهدي عجل الله فرجه إلى إسحاق بن يعقوب.
[3]دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، المادة 107، المعدَّل عام 1989م: «يتولى اختيار القيادة مجلس الخبراء المنتخَب من قِبَل الشعب».
[4]الإمام الخامنئي (قدس سره)، مصدر سابق (لقاؤه مع أعضاء مجلس خبراء القيادة، 07/11/2024).
[5] الإمام الخامنئي (قدس سره)، المصدر نفسه (لقاؤه مع أعضاء مجلس خبراء القيادة، 07/11/2024).
[6] راجع في كل ما مضى المادة 109 من دستور الجمهورية الإسلامية.
[7] الإمام الخامنئي (قدس سره)، مصدر سابق (لقاؤه مع أعضاء مجلس خبراء القيادة، 07/11/2024).
[8] الإمام الخامنئي (قدس سره)، المصدر نفسه (لقاؤه مع أعضاء مجلس خبراء القيادة، 07/11/2024).
[9] راجع: الإمام الخامنئي (قدس سره)، المصدر نفسه (لقاؤه مع أعضاء مجلس خبراء القيادة، 07/11/2024).
[10] راجع: الإمام الخامنئي (قدس سره)، المصدر نفسه (لقاؤه مع أعضاء مجلس خبراء القيادة، 07/11/2024).
 

2026-03-19