يتم التحميل...

الموت عند المؤمن: من سجن الدنيا إلى لقاء الله عز وجل

من أشد الساعات على الإنسان هي تلك الساعة التي يحين فيها خروج روحه من هذه الدنيا، حيث يتمثل أمامه ملك الموت ليقبض هذه الروح، وكلما اشتد تعلق الإنسان بهذه الدنيا كلما اشتدت عليه ساعة الموت، وذلك لما يراه من عظيم فراقه لهذه الدنيا،

عدد الزوار: 24

الموت عند المؤمن: من سجن الدنيا إلى لقاء الله عز وجل

من أشد الساعات على الإنسان هي تلك الساعة التي يحين فيها خروج روحه من هذه الدنيا، حيث يتمثل أمامه ملك الموت ليقبض هذه الروح، وكلما اشتد تعلق الإنسان بهذه الدنيا كلما اشتدت عليه ساعة الموت، وذلك لما يراه من عظيم فراقه لهذه الدنيا، فقد ورد في الرواية عن الإمام زين العابدين )عليه السلام(: "أشد ساعات ابن آدم ثلاث ساعات: الساعة التي يعاين فيها ملك الموت، والساعة التي يقوم فيها من قبره، والساعة التي يقف فيها بين يدي الله تبارك وتعالى"[1].
 
إن شدة تعلق الإنسان بهذه الدنيا تجعله يرى في فراقها فراقاً للراحة والهدوء إلى العذاب الأليم، وأما المؤمن الذي لم يتعلق بهذه الدنيا فإنه سوف يراها خلاصاً وانتقالاً إلى عالم الراحة والسكينة، ففي الرواية عن الإمام زين العابدين)عليه السلام(- لما سُئِلَ عن الموت-: "للمؤمن كنزع ثياب وسخة قملة، وفك قيود وأغلال ثقيلة، والاستبدال بأفخر الثياب وأطيبها روائح، وأوطئ المراكب، وآنس المنازل، وللكافر كخلع ثياب فاخرة، والنقل عن منازل أنيسة، والاستبدال بأوسخ الثياب وأخشنها، وأوحش المنازل، وأعظم العذاب"[2].
 
موقفان والخيار بيدك!
تتحدث الروايات الواردة عن أهل بيت النبوة )عليهم السلام( عن أحد موقفين لا بد وأن يمر بهما الإنسان في لحظات معاينة ملك الموت، صورة حسنة جميلة وصورة قبيحة مؤلِمَة، واختيار أي الصورتين هو بيد هذا الإنسان، فهو الذي يحدد الصورة التي يرغب أن يتلقاه ملك الموت بها.
 
أ- الأول: موت المؤمن
 قال تعالى: ﴿الذِينَ تَتَوَفاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[3].
 
تتحدث الآية عن صورة الملائكة التي يُوكَل إليها قبض روح الإنسان المؤمن، فتدخل الملائكة الموكَلة بقبض الروح وهي أعوان ملك الموت، فتبدأ على الإنسان بالسلام، وسلام الملائكة طمأنينة لهذا الإنسان، وتبشيراً له بالجنة[4].
 
فقد ورد في الروايات في وصف صورة ملك الموت، إذا جاء ليقبض روح المؤمن بأنها صورة جميلة يتمناها الإنسان لما فيها من لقاء الله (عز وجل).
 
فعن النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): "إن ملك الموت ليقف من المؤمن عند موته موقفَ العبد الذليل من المولى، فيقوم وأصحابه لا يدنون منه حتى يبدأه بالتسليم ويبشره بالجنة".
 
وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)- وقد نظر إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار-: "يا ملك الموت! ارفق بصاحبي فإنه مؤمن، فقال ملك الموت: طب نفساً وقر عيناً، واعلم أني بكل مؤمن رفيق، واعلم يا محمد، أني لأقبض روح ابن آدم، فإذا صرخ صارخٌ من أهله، قمت في الدار ومعي روحه، فقلت: ما هذا الصارخ؟! والله ما ظلمناه، ولا سبقنا أجله، ولا استعجلنا قدره، وما لنا في قبضه من ذنب، وإن ترضوا بما صنع الله تؤجروا، وإن تحزنوا وتسخطوا تأثموا وتؤزروا"[5].
 
نعم، من الطبيعي أن ينقبض الإنسان عندما يعلم بحلول أجله، ولكن من النعم الإلهية ما يسليه بل يجعله في غاية الشوق للانتقال إلى ذلك العالم، ففي الرواية عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)- لما سُئل هل يُكره المؤمن على قبض روحه؟-: "لا والله، إنه إذا أتاه ملك الموت لقبض روحه جزع عند ذلك، فيقول له ملك الموت: يا ولي الله لا تجزع، فوالذي بعث محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنا أبر بك وأشفَق عليك من والد رحيم لو حضرك، افتح عينك فانظر، قال: ويمثل له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم (عليهم السلام)، فيقال له: هذا رسول الله و... رفقاؤك... فما شيء أحب إليه من استلال روحه واللحوق بالمنادي"[6].
 
إنها لحظة تنقلب إلى تمن بقبض هذه الروح، فهو ينتقل من الدنيا التي هي سجن لهذا المؤمن، إلى عام أرحب وأوسع، فيه لقاء الله، ومحبة الله، ورضوان الله.
 
ب- الثاني: موت الكافر
 قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾[7].
 
إنها صورة بشعة تتلقى فيها الملائكة الكافر والعاصي، عندما تقوم بقبض روحه، إنها تقوم بضربه من كل جانب، فهي تضربه من وجهه، فإذا أراد الهروب بدأت بضربه على دابره.
 
وورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في وصفه لموت الكافر: "وإن كان لأوليائنا معادياً، ولأعدائنا موالياً، ولأضدادنا بألقابنا ملقباً"[8]، فإذا جاءه ملك الموت لنزع روحه، مثل الله عز وجلً لذلك الفاجر سادته الذين اتخذهم أرباباً من دون الله، عليهم من أنواع العذاب ما يكاد نظره إليهم يهلكه، ولا يزال يصل إليه من حر عذابهم ما لا طاقة له به. فيقول له ملك الموت: يا أيها الفاجر الكافر تركت أولياء الله إلى أعدائه، فاليوم لا يغنون عنك شيئاً، ولا تجد إلى مناص سبيلاً، فيرد عليه من العذاب ما لو قسم أدناه على أهل الدنيا لأهلكهم"[9].
  
* من كتاب: حياة القلوب- سلسلة الدروس الثقافية - جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


[1] - بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 6 ص 159.
[2] - بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 6 ص 155.
[3] - القرآن الكريم، سورة نحل، 32.
[4] - من لا يحضره الفقيه - الشيخ الصدوق - ج 1 ص 136.
[5] - بحار الأنوار العلامة المجلسي – ج 6 – ص 170.
[6] - الكافي - الكليني - ج 3 ص 128.
[7] - القرآن الكريم، سورة محمد: 27.
[8] - أي كان يصف أعداءنا - فيواليهم ويقدسهم.
[9] - بحار الأنوار العلامة المجلسي – ج 6 – ص 175.

2026-01-20