يتم التحميل...

ضرورة الحكومة في زمن الغيبة

أبحاث في الولاية

لقد كتب اللَّه عزَّ وجلّ‏َ لصاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه أن يغيب عن الناس، فحرمت الناس من بركات وجوده، وما دامت الحكمة الإلهية قد اقتضت غياب الإمام عجل الله تعالى فرجه فهل يعني ذلك الإلتزام بتعطيل الأحكام وعدم لزوم قيام حكومة إسلامية تؤدي فريضة تنفيذ هذه الأحكام؟

عدد الزوار: 145

لقد كتب اللَّه عزَّ وجلّ‏َ لصاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه أن يغيب عن الناس، فحرمت الناس من بركات وجوده، وما دامت الحكمة الإلهية قد اقتضت غياب الإمام عجل الله تعالى فرجه فهل يعني ذلك الإلتزام بتعطيل الأحكام وعدم لزوم قيام حكومة إسلامية تؤدي فريضة تنفيذ هذه الأحكام؟

هذا السؤال هو الأكثر اتصالاً بنا لأنه يتحدث عن عصر الغيبة الذي نعيشه، والذي قد يتحول إلى شبهة لدى البعض تدعوهم إلى إلتزام بيوتهم وعدم قيامهم بأي عمل يعود إلى تحديد مصير المجتمع الإسلامي، بشكل ينسجم عملياً مع مقولة فصل الدين عن السياسة، وقد واجه الإمام الخميني قدس سره أثناء قيامه بالدور الكبير في الثورة الإسلامية المباركة هذه الشبهة في خطاباته وكتاباته.

شبهات حول قيام حكومة العدل‏
يمكن أن يذكر كدليل على عدم جواز قيام الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة بالعديد من الأمور ونذكر بعضها

منها: الروايات المتعددة الواردة من أئمة أهل البيت عليهم السلام والتي وردت بذم بعض الخارجين على الحكومات في زمانهم وذلك كرواية عيص بن القاسم حيث يقول الإمام عليه السلام: "فالخارج منّا اليوم إلى أي شي‏ء يدعوكم؟ إلى الرضا من ال محمد صلى الله عليه وآله؟ فنحن نشهدكم أننا لسنا نرضى به وهو يعصينا اليوم..."1.

منها: الروايات الواردة في ذم الخروج قبل قيام القائم وأشهر هذه الروايات: "واللَّه لا يخرج أحد منا قبل خروج القائم إلا كان مثله كمثل فرخ طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه فأخذه الصبيان فعبثوا به"2 ورواية أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام: "كل راية ترفع قبل قيام القائم عجل الله تعالى فرجه فصاحبها طاغوت يعبد من دون اللَّه عزَّ وجلّ‏َ"3.

منها: إن الخروج مع عدم وجود الإمام المعصوم هو إلقاء للنفس في التهلكة وهو حرام لأن حفظ النفس واجب على المسلم.

احقاق الحق بقيام حكومة العدل‏
والجواب عن شبهة القعود وعدم القيام لإحقاق الحق واضح جداً ويمكن أن نذكره ضمن أمور أيضاً.

الأول: إن ملاحظة أحكام الإسلام التي لا تقام إلا في ظل حكومة إسلامية عادلة يفرض قيام الحكومة وإلا فإن تركها سوف يؤدي إلى تعطيل الكثير من الأحكام ومثال ذلك:

أ- الدفاع: الجهاد والدفاع عن بلاد المسلمين ودمائهم وأعراضهم واجب باتفاق كافة الفقهاء، وأداء هذا الواجب يتوقف على وجود حكومة قادرة على تجهيز المسلمين بالقدرات القتالية وتجهيز أنواع الأسلحة التي تُمكّن المسلمين من مواجهة العدو لا سيما في عصرنا الحاضر.

ب- إقامة الحدود: حيث تتضمن شريعة الإسلام قانون عقوبات يضع حداً للإعتداء على حقوق الناس، وهذا كله موكول إلى الحاكم الإسلامي العادل المأذون له من قبل اللَّه عزَّ وجلّ‏َ.

ج- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهو من أعظم الواجبات الإلهية وقد ذكر له الفقهاء مراتب من الإنكار بالقلب واللسان واليد، وإذا كان الإنكار بالقلب واللسان ميسراً لكل مكلف فإن الإنكار باليد تتوقف فعاليته في أكثر الحالات على وجود حكومة عدل مأذون لها من اللَّه تعالى تقوم بفرض المعروف واجتثاث المنكر. إلى سائر الأحكام الأخرى كإقامة الجمعة والجماعات والفرائض الكبرى...

من العجيب أن يقال بضرورة حفظ أموال اليتامى والغيّب والقاصرين وأموال الحقوق الشرعية ولا يؤمنون بحفظ دماء المسلمين وأعراضهم؟ فهل يمكن أن لا يرضى الشارع بإهمال هذه الأموال الصغيرة الخاصة ويرضى بإهمال كيان المسلمين وأموالهم وأعراضهم؟

الثاني: إن ما ورد من الروايات في ذم بعض الخارجين زمن الأئمة عليهم السلام له علاقة بأهداف هؤلاء الخارجين، وبالمصالح في ذلك الزمان، فالإمام كان موجوداً ولا بد وأن يكون الخروج بإذنه وهؤلاء إما أنه لم يكن خروجهم بإذن الإمام عليه السلام أو أنه كان للدعوة لأنفسهم وليس للإمام، أو إلى أسباب أخرى لا تثبت لنا عدم جواز القيام وتأسيس حكومة العدل حتى في عصر الغيبة.

وكذلك الحال في الروايات التي وردت بلسان أن الخارج قبل قيام القائم هو طاغوت، فإنها تذم ذلك الخارج الذي يدعو إلى نفسه، ولا تذم وتمنع خروج من يقوم لنقض الباطل وإقامة حكومة العدل طبق الأحكام الواردة عن أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام.

الثالث: إن الحديث عن حرمة إلقاء النفس في التهلكة غير صحيح من أساسه لأن الواجب الذي يقضي إقامة حكومة العدل هو من أهم الفرائض الإلهية، وكيف نفسر قيام الإمام الحسين عليه السلام في عاشوراء، أو ليست الثورة الحسينية مدرسة للأجيال كلها، أو لم يكن قيام الإمام الحسين عليه السلام لتعليم الناس ألا يقروا ظالماً على ظلمه. ولذا كان الإمام الخميني قدس سره يستحضر الثورة الكربلائية في خطاباته للشعب الإيراني ويؤكد أن كل ما عندنا هو من عاشوراء.

الرابع: انه قد وردت الروايات العديدة في مدح من يخرج لطلب الحق ونصرة المظلوم فقد ورد عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام: "كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحق فلا يعطونه، ثم يطلبونه فلا يعطونه. فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم فيعطون ما سألوا، فلا يقبلونه حتى يقوموا ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم، قتلاهم شهداء"4.

وعن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: "يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي" أي يمهدون لظهوره وعن الإمام موسى الكاظم عليه السلام: "رجل من أهل قم يدعو الناس إلى الحق، يجتمع معه قوم قلوبهم كزبر الحديد، لا تزلهم الرياح العواصف، ولا يملّون من الحرب، ولا يجبنون، وعلى اللَّه يتوكلون، والعاقبة للمتقين"5.

* دروس في ولاية الفقيه, إعداد ونشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية, ط1, تشرين الأول 2005م, ص 13-18.


1- فروع الكافي، الكليني، ج‏8، ص‏264، حديث 381.
2- فروع الكافي، الكليني، ج‏8، ص‏264، حديث 382.
3- فروع الكافي، الكليني، ج‏8، ص‏295، حديث 452.
4- بحار الأنوار، المجلسي، ج‏52، ص‏243.
5- بحار الأنوار، المجلسي، ج‏57، ص‏216.

2009-08-03