من حبّ الشهادة إلى الزهد بالدنيا
إنّ من صفات المتقين الّتي أكّدت عليها الروايات وذكرها أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة المتّقين، حبُّ لقاء الله حتّى كادت أرواحهم تخرج من أجسادهم: "ولولا الأجل الّذي كُتب لهم، لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً إلى الثواب وخوفاً من العقاب".
عدد الزوار: 17من حبّ الشهادة إلى الزهد بالدنيا
إنّ من صفات المتقين الّتي أكّدت عليها الروايات وذكرها أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة المتّقين، حبُّ لقاء الله حتّى كادت أرواحهم تخرج من أجسادهم: "ولولا الأجل الّذي كُتب لهم، لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً إلى الثواب وخوفاً من العقاب".
نعم أولياء الله مشتاقون لذلك اللقاء، يقول الإمام الخميني قدس سره: "دع أولئك المفترسين الّذين لا يُفكِّرون إلّا بأنفسهم ويأكلون كما تأكل الأنعام، يفكّون قيود عشّاق سبيل الحقّ من أغلال الطبيعة ويوصلونهم إلى فضاء جوار المعشوق"[1].
ولذلك فإنّ تمنّي الشهادة هو تمنّي لقاء الله تعالى على أفضل وجه يُحبّه ويرضاه، وهذا ما يتمنّاه أولياء الله على الدوام.
وقد ورد في روايّة عن أمير المؤمنين عليه السلام: "... فقُلت: يا رسول الله، أوليس قد قُلت لي يوم أُحُد حيث استشهد من استشهد من المسلمين، وحِيزت عنّي الشهادة، فشقّ ذلك عليّ فقُلت لي: أبشر فإنّ الشهادة من ورائك؟ فقال لي: إنّ ذلك لكذلك، فكيف صبرك إذاً؟ فقُلت: يا رسول الله ليس هذا من مواطن الصبر ولكن من مواطن البشرى والشكر!"[2].
وعنه عليه السلام: "فو الله إنّي لعلى الحقّ، وإنّي للشهادة لمحبّ"[3].
هكذا كان أمير المؤمنين عليه السلام عاشقاً للشهادة، وهكذا يجب أن يكون أتباعه ومحبّيه، ويُعلِّق الإمام الخميني قدس سره على قول أمير المؤمنين عليه السلام: "والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمِّه"[4] ، قائلاً: "أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول ذلك لأنّه كان يعرف ما هي الدنيا وما هو عالَم الغيب، كان يعرف معنى الموت، وأنّ الموت حياة، نحن قدّمنا الشهداء لكن شهداءنا أحياء، أحياء عند ربّهم يُرزقون، خالدون، ونحن أيضاً نسأل الله تعالى أن يوفّقنا للشهادة، لحظة واحدة تتبعها سعادة دائمة، عناء لحظة واحدة يتبعها السعادة الأبديّة والدائمة!".
هكذا كان أولياء الله على الدوام، كما يُخبر الإمام قدس سره: "لا بُدّ من اجتياز هذه المرحلة ولا بُدّ من السفر، فليكن في سبيل الإسلام وفي خدمة الشعب المسلم، ولتكن شهادة وفوزاً بلقاء الله، وهذا ما كان يتمنّاه أولياء الله العظام ويطلبونه بإلحاح في مناجاتهم من العليّ القدير"[5].
وهكذا يجب أن يكون شيعة عليّ عليه السلام وكلّ مخلص يعمل في سبيل الله يقول الإمام قدس سره: "إن كنّا نعتقد بالغيب فعلينا أن نشكر الله تعالى لكي نُقتل في سبيله وندخل في زمرة الشهداء"[6].
"نحن خاضعون أمام التقدير الإلهيّ ونُطيع أوامره، ولذلك فإنّنا نطلب الشهادة منه، ولهذا أيضاً لا نتحمّل الذلّة والعبديّة إلّا لله تعالى"[7].
"عبر هذا الهدف يحتضن جميع الأولياء الشهادة ويعتبرون الموت أحلى من العسل، وإنّ أبناءكم في جبهات القتال، قد نالوا جُرعاً منها وأخذهم الوجد وتجلّى ذلك في أمّهاتهم وأخواتهم وآبائهم وإخوانهم، فلا بُدّ أن نقول "يا ليتنا كنّا معكم فنفوز فوزا عظيماً" هنيئاً لهم ذلك النسيم العطر والتجلّي المبهج"[8].
"كم هم سعداء أولئك الّذين يقضون عمراً طويلاً في خدمة الإسلام والمسلمين وينالون في نهايّة عمرهم الفيض العظيم الّذي يتمنّاه كلّ عشّاق لقاء المحبوب"[9].
نعم إنّ هذا الشعب الّذي خرجت منه مواكب الشهداء كانت سمته الأساسيّة حبّ الشهادة وعشق لقاء الله سبحانه وتعالى.
يتحدّث الإمام الخميني قدس سره عن هذا الواقع في الكثير من كلماته، حيث يقول في بعضها: "يتوارث الأولياء الشهادة كلٌّ من الآخر، وإنّ شبابنا الملتزمين يدعون الله دائماً لنيل الشهادة في سبيله"[10].
"أنتم تلاحظون أنّ جميع شبابنا الّذين استشهدوا كانوا جميعاً من المقبلين على الشهادة".
الزهد بالدنيا
قيمة الدنيا أنّها مزرعة الآخرة ومسجد أولياء الله، وطريق الوصول إلى ساحة رضاه، فلو قطعناها عن كلّ ذلك ونظرنا إليها نظرة مادّيّة، فلن يكون لها أيّ قيمة على الإطلاق، كما أخبر عنها أمير المؤمنين عليه السلام في كلام له: "كأنّهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول: "تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ" [11]بلى والله لقد سمعوها ووعوها، ولكنّهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها. أما والّذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجّة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يُقاروا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أوّلها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز [12]"[13].
هكذا يجب أن يكون المجاهد في سبيل الله، زاهداً بالدنيا عارفاً بمقام الشهادة "وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ"[14].
وقد أكّد الإمام الخميني قدس سره على ذلك في كلماته: "إنّ الدنيا بجميع بهارجها واعتباراتها هي أقلّ بكثير من أن تكون جزاءاً ورتبة للمجاهدين في سبيل الله".
"إنّ المجاهد في سبيل الله أسمى من أن يُقيّم عمله النفيس بزخارف الدنيا".
"... لم يبيعوا أرواحهم بثمن بخس، ولم تلههم زخارف الدنيا الفانية وتعلّقاتها"[15].
* من كتاب الشهادة – جمعية المعارف الإسلامية
[1] صحيفة نور، جزء 15، ص 51.
[2] بحار الأنوار، ج 32، ص 241.
[3] م. ن، ج30، ص26.
[4] بحار الأنوار، ج 28، ص 234.
[5] صحيفة نور، جزء 15، ص 122.
[6] م.ن، جزء 1، ص 72.
[7] صحيفة نور، جزء 20، ص 237.
[8] صحيفة نور، جزء 21، ص 203.
[9] م.ن، جزء 17، ص 56.
[10] م.ن، جزء 11، ص 39.
[11] سورة القصص، الآية: 83.
[12] عفطة العنز، ما تنثره من أنفها.
[13] نهج البلاغة ج 1، ص 36، من الخطبة 3، المعروفة بالخطبة الشقشقية.
[14] سورة آل عمران، الآية: 157.
[15] صحيفة نور، جزء 19، ص 296.


