يتم التحميل...

بيتٌ من سكينة

هدف الموعظة تعرّف أسس الأسرة الصالحة من خلال الاقتداء بأسرة أمير المؤمنين والسيّدة فاطمة (عليهما السلام)، نموذجاً في المودّة والرحمة والتعاون والصبر وحسن المعاشرة.

عدد الزوار: 8

بيتٌ من سكينة

هدف الموعظة

تعرّف أسس الأسرة الصالحة من خلال الاقتداء بأسرة أمير المؤمنين والسيّدة فاطمة (عليهما السلام)، نموذجاً في المودّة والرحمة والتعاون والصبر وحسن المعاشرة.

محاور الموعظة
1. بيتٌ تأسّس على الإيمان
2. التعاون وتنظيم المسؤوليّات
3. حين تضيق الحياة
4. البيت مكان السكينة

تصدير الموعظة
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾[1].
 
حين وصف القرآن الكريم الزواج، جعل أساسه السكن والمودّة والرحمة، فالحياة الزوجيّة تقوم على أن يجد كلٌّ من الزوجين في الآخر سكناً وأماناً، ومودّةً تدفعه إلى العطاء، ورحمةً تحمله على مراعاة الآخر ومساندته، ولا سيّما حين تشتدّ الظروف وتتزايد المسؤوليّات. ومن أبلغ النماذج التي تجسّدت فيها هذه المعاني بيت أمير المؤمنين والسيّدة الزهراء (عليهما السلام)، الذي قدّم نموذجاً للأسرة التي تتكامل فيها المحبّة مع المسؤوليّة، والعطاء مع الصبر، والرحمة مع تحمّل أعباء الحياة.

بيتٌ تأسّس على الإيمان
قام زواج أمير المؤمنين والسيّدة فاطمة (عليهما السلام) على الكفاءة الإيمانيّة والأخلاقيّة، فكان اقتراناً اجتمعت فيه مقوّمات الصلاح وحسن العشرة، وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في فضل هذا الاقتران أنّه قال لأمير المؤمنين (عليه السلام): «هَبَطَ عَلَيَّ جَبْرَئِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ يَقُولُ: لَوْ لَمْ أَخْلُقْ عَلِيّاً (عليه السلام)، لَمَا كَانَ لِفَاطِمَةَ ابْنَتِكَ كُفْوٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، آدم فَمَنْ دُوْنَهُ»[2].
وتتجاوز دلالة هذا الزواج تفاصيله التاريخيّة إلى المعيار الذي ينبغي أن يحكم اختيار الزوجين: أن تكون الكفاءة في الدين والأخلاق وحسن المعاشرة أساساً في بناء الأسرة، وأن تأتي سائر الاعتبارات في إطار هذا الأساس. فالبيت الذي يُبنى على المظاهر والقدرة المادّيّة وحدهما يبقى أكثر عرضةً للاهتزاز حين تتبدّل الظروف، بينما تمنحه القيم الراسخة قدرةً أكبر على الصمود والاستمرار؛ فالمال يتغيّر، والعمل قد يتعطّل، والصحّة تضعف، والظروف تتقلّب؛ أمّا الإيمان والأخلاق وحسن العشرة فتبقى من أهمّ ما يحفظ الأسرة ويقوّي قدرتها على تجاوز أعباء الحياة.

من هنا، جعل القرآن الكريم المودّة والرحمة من أسس العلاقة الزوجية، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾؛ والمودّة تظهر في السلوك: في طريقة الكلام، وحسن التعامل، ومراعاة ظروف الآخر، والتغاضي عن الهفوات، والحرص على بقاء الاحترام والمحبّة في تفاصيل الحياة المشتركة.

التعاون وتنظيم المسؤوليّات
عاش أمير المؤمنين والسيّدة فاطمة (عليهما السلام) حياةً بسيطةً كثرت فيها المسؤوليّات، فكان التعاون بينهما جزءاً من بناء الأسرة وتحمّل أعبائها، عن الإمام الباقر (عليه السلام): «تقاضى عليّ وفاطمة إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في الخدمة، فقضى على فاطمة بخدمة ما دون الباب، وقضى على عليّ ما خلفه. قال: فقالت فاطمة: فلا يعلم ما داخلني من السرور إلّا الله بإكفائي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تحمّل رقاب الرجال»[3].

وتُبرِز هذه الرواية قيمة تنظيم المسؤوليّات والتعاون في الحياة الزوجيّة؛ فاستقرار الأسرة يحتاج إلى وضوحٍ في الأدوار، وتفاهمٍ بين الزوجين، وشعورٍ بأنّ أعباء الحياة مسؤوليّةٌ مشتركة، وإن اختلفت طريقة توزيعها بينهما. والمقصود من النموذج الذي قدّمه بيت أمير المؤمنين والسيّدة فاطمة (عليهما السلام) هو التعاون في تحمّل المسؤوليّة، لا تثبيت تقسيمٍ جامدٍ للأدوار يصلح لكلّ زمانٍ وظرف.

وتتغيّر الأدوار بحسب حاجات الأسرة وظروفها؛ فقد يعمل الزوج والزوجة معاً خارج المنزل، وقد يتحمّل أحدهما مسؤوليّاتٍ أكبر في مرحلةٍ معيّنة، أو يحتاج إلى دعم الآخر بسبب مرضٍ أو ضغطٍ أو ظرفٍ استثنائيّ. والمقياس في ذلك هو التفاهم والعدل والتعاون، بما يحفظ كرامة الزوجين ويعينهما على حمل أعباء الأسرة. فالأسرة الناجحة لا تقوم على حساب من بذل أكثر، بل على استعداد كلٍّ من الزوجين لمساندة الآخر، وأن يرى في مسؤوليّات الأسرة شأناً مشتركاً يستحقّ التعاون والتضحية.

حين تضيق الحياة
عاش أهل البيت (عليهم السلام) حياةً اتّسمت بالبساطة وكثرة الأعباء، وكان الصبر على مشقّات الحياة جزءاً من سيرتهم. رُوي أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) رأى فاطمة (عليهما السلام) تطحن بيديها، وترضع ولدها، وعليها كساء خشن، فدمعت عيناه، وقال لها: «يا بُنَيَّةُ، تَعَجَّلي مَرارَةَ الدُّنيا بِحَلاوَةِ الآخِرَةِ»، فأجابته: «الحَمدُ للَّهِ عَلى نَعمائِهِ، والشُّكرُ للَّهِ عَلى آلائِهِ»[4].

تقدّم هذه الصورة درساً مهمّاً للأسرة في مواجهة ضغوط الحياة؛ فقلّة المال، وكثرة المسؤوليّات، والتعب الجسديّ والنفسيّ، كلّها ظروف تحتاج إلى الصبر والتفاهم وحسن التعامل. وتظهر قيمة هذا الصبر في طريقة تعامل الزوجين مع الضيق: فيخفّ اللوم، ويزداد التقدير، ويحرص كلّ طرف على أن يكون عوناً للآخر في الوقت الذي تشتدّ فيه الحاجة إلى العون.

والصبر داخل الأسرة هو القدرة على إدارة الصعوبات بحكمة، والمحافظة على الاحترام والمودّة، ومواجهة المشكلة بروح التعاون بدل تحويلها إلى خصومة، فحين تضيق الحياة، يحتاج كلّ واحد منهما إلى أن يكون سنداً لصاحبه، لا عبئاً إضافيّاً عليه، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾[5].

البيت مكان السكينة
من أعمق ما نُقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في علاقته بالسيّدة الزهراء (عليها السلام) قوله: «فوالله ما أغضبتها ولا أكرهتها على أمر حتّى قبضها الله إليه، ولا أغضبتني ولا عصت لي أمراً، ولقد كنت أنظر إليها فتنكشف عنّي الهموم والأحزان»[6]. وتلخّص عبارة «فتنكشف عنّي الهموم والأحزان» جانباً أساسيّاً من وظيفة الأسرة: أن يجد الإنسان في بيته سكناً وأماناً، وأن يكون أقرب الناس إليه مصدر طمأنينةٍ وسند، لا مصدراً إضافيّاً للتوتّر والصراع.

والحياة الزوجية تقوم على الاختلاف في الطباع والآراء، لكنّ المودّة والرحمة تحفظان هذا الاختلاف من أن يتحوّل إلى إهانة أو تحقير أو تهديد أو قطيعة، يقول النبيّ (صلّى الله عليه وآله): «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»[7]. فحسن الخلق تظهر حقيقته داخل البيت، مع أقرب الناس إلينا، حيث تظهر طباع الإنسان في لحظات التعب والغضب والضعف.

ويقدّم بيت أمير المؤمنين والزهراء (عليهما السلام) نموذجاً للأسرة التي تبني سكينتها بالإيمان، وتواجه أعباء الحياة بالتعاون، وتتعامل مع ضيقها بالصبر، وتحفظ علاقتها بالمودّة والاحترام. فالأسرة الناجحة هي التي تحافظ على رحمتها ومودّتها في أوقات الشدّة، وتجعل من المحنة ظرفاً تتكاتف فيه، لا سبباً يتباعد فيه أفرادها.

لهذا، فإنّ استقرار الأسرة لا يرتبط بالظروف المادّيّة وحدها، بل يتعلّق أيضاً بما يصنعه الزوجان داخل البيت: هل يجد الزوج في زوجته سكناً؟ وهل تجد الزوجة في زوجها أماناً؟ وهل يتعاونان عندما تضيق الحياة؟ وهل يرى الأبناء في علاقتهما صورةً حيّة للإيمان والرحمة؟ عندها يقترب البيت من المعنى الذي أراده الله تعالى للزواج: ﴿لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.

وإنّ صلاح الأسرة يتجاوز حدود البيت؛ لأنّ الأسرة هي البيئة الأولى التي يتكوّن فيها الإنسان، ومنها تنتقل القيم إلى المجتمع. وقد لخّص الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه) هذا المعنى بقوله: «الأسرة هي الخليّة التي تكوّن المجتمع. عندما تصير الأسَر سليمة، يصير المجتمع سليماً»[8]. فكلّما استقامت العلاقة داخل الأسرة، انعكس ذلك على شخصيّة الأبناء، وعلى طريقة تعاملهم مع الآخرين، وعلى سلامة المجتمع وتماسكه.


[1] سورة الروم، الآية 21.
[2] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، تصحيح الشيخ حسين الأعلميّ، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، لبنان - بيروت، 1404هـ - 1984م، لا.ط، ج1، ص203.
[3] السيّد الحميريّ، قرب الإسناد، مصدر سابق، ص52.
[4] ابن شهر آشوب، مشير الدين أبو عبد الله محمّد بن عليّ المازندرانيّ، مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام)، المكتبة الحيدريّة، العراق - النجف الأشرف، 1376هـ - 1956م، لا.ط، ج3، ص120.
[5] سورة البقرة، الآيتان 155 - 156.
[6] الإربلّيّ، الشيخ عليّ بن أبي الفتح، كشف الغمّة في معرفة الأئمّة (عليهم السلام)، دار الأضواء، لبنان - بيروت، 1405هـ - 1985م، ط2، ج1، ص373.
[7] الطبرسيّ، الشيخ الحسن بن الفضل، مكارم الأخلاق، منشورات الشريف الرضيّ، إيران - قمّ، 1392هـ - 1972م، ط6، ص216.
[8] من كلامٍ له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 04/01/2023م.
 

2026-11-04