يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه
هدف الموعظة الحثّ على الثبات على الحقّ من خلال الاقتداء بصفات المؤمنين: محبّة الله، ورحمة المؤمنين، وعزّة الموقف، والثبات أمام الضغوط.
عدد الزوار: 18يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه
هدف الموعظة
الحثّ على الثبات على الحقّ من خلال الاقتداء بصفات المؤمنين: محبّة الله، ورحمة المؤمنين، وعزّة الموقف، والثبات أمام الضغوط.
محاور الموعظة
1. الإيمان والثبات
2. محبّة الله
3. الرحمة والعزّة
4. الثبات أمام اللوم
تصدير الموعظة
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾[1].
تظهر حقيقة الإيمان في المواقف التي ترتفع فيها الكلفة، وتتعارض فيها المبادئ مع المصالح، ويصبح التمسّك بالحقّ أصعب من التراجع عنه. هناك يتبيّن أثر العقيدة في صناعة الموقف: هل تحكم المبادئ اختيارات الإنسان، أم تحكم المصلحة مبادئه؟ ولذلك، يرسم القرآن في هذه الآية صورةً متكاملةً للمؤمن الذي يحفظ إيمانه في الفتن، ويقدّم رضا الله على حساباته، ويثبت على الحقّ مهما تغيّرت الظروف.
الإيمان والثبات
الإيمان التزامٌ يوجّه الإنسان في اختياراته ومواقفه، ويمنحه معياراً ثابتاً حين تتعدّد الضغوط والمصالح، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾[2].
تصف الآية إيماناً مرتبطاً بالظروف والنتائج؛ يستمرّ ما دامت المصلحة حاضرة، ويتراجع عند حضور الفتنة والخسارة؛ أمّا الإيمان الذي يصنعه القرآن فهو الذي يحفظ للإنسان موقفه عندما ترتفع الكلفة. والخوف والألم والقلق مشاعر بشريّة، والثبات هو أن تبقى هذه المشاعر تحت سلطان المبدأ والتكليف، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «إِنَّ الْحَقَّ ثَقِيلٌ مَرِيءٌ وإِنَّ الْبَاطِلَ خَفِيفٌ وَبِيءٌ»[3]؛ فطريق الحقّ قد يحمّل الإنسان مسؤوليّات وتكاليف، بينما قد يبدو طريق الباطل أسهل وأقلّ كلفة. وهنا تظهر قيمة الإيمان في أن يبقى الإنسان وفيّاً للحقّ حين يصبح الوفاء به مكلفاً.
فالمؤمن يجعل الحقّ معياراً لموقفه في القوّة والضعف، وفي الرخاء والشدّة، ويثبت مع المظلوم حين تحتاج نصرته إلى تضحية، ويحفظ مبدَأه حين يصبح التراجع عنه أكثر راحةً وأماناً.
محبّة الله
يصف القرآن أنصار الحقّ بقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾؛ فالمحبّة هنا علاقةٌ حيّة تظهر آثارها في الطاعة والاتّباع وتقديم رضا الله على الهوى والمصلحة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾[4]، فالطاعة هي التعبير العمليّ عن محبّة الله، والاتّباع هو الطريق الذي تتحوّل فيه المحبّة من شعورٍ في القلب إلى سلوكٍ في الحياة.
وتظهر حقيقة هذه المحبّة عندما تتعارض مصلحة الإنسان مع ما يراه حقّاً: حين يكون التمسّك بالمبدأ سبباً لخسارة مالٍ أو مكانةٍ أو علاقةٍ أو راحة. عندها يصبح السؤال واضحاً: أيّهما يتقدّم في قرار الإنسان، رضا الله أم مصلحته؟ عن لقمان الحكيم في وصيّته لابنه: «يا بُنيّ، مَن يرِد رضوان الله يُسخط نفسه كثيراً، ومَن لا يُسخط نفسه لا يُرضي ربّه»[5]. فالثبات يبدأ من المرجعيّة التي يحتكم إليها الإنسان؛ فإذا كان الله هو المرجع الأعلى، بقي المبدأ حاضراً عند تغيّر الظروف، وأصبح رضا الناس والمكاسب الآنية عناصرَ تُوزن بالحقّ، لا معاييرَ تحدّد الحقّ.
الرحمة والعزّة
يجمع القرآن في صفات أنصار الحقّ بين الرحمة والعزّة، فيقول: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، ويقول في وصف أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله): ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾[6]؛ فالرحمة بالمؤمنين تظهر في التواضع، وحفظ الكرامة، ومساندة المحتاج، ورفع الأذى، والعزّة تظهر في حفظ الحقّ والكرامة أمام الظلم والعدوان. وتكامل هاتين الصفتين يصنع شخصيّةً متوازنة: رحيمةً مع أهلها، قويّةً في مواجهة الظلم، عادلةً في حكمها، ثابتةً في مواقفها. يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «كونوا في ما بينكم رحماء، ولتكن قلوبكم نقيّة، بعضكم تجاه بعض، وعطوفين بعضكم على بعض، بحيث لا تستطيع الأسماء فصل بعضكم عن بعض، ولا تستطيع الحدود الجغرافيّة تفريق بعضكم عن بعض، ولا تستطيع الحدود الجغرافيّة وضع الشعوب بعضها في وجه بعض»[7].
إنّ نصرة الحقّ تحتاج إلى هذا التوازن؛ فالقوّة التي تفقد الرحمة قد تتحوّل إلى ظلم، والرحمة التي تفقد العزّة قد تتحوّل إلى خضوع. أمّا المؤمن فيجمع بين قلبٍ رحيم وموقفٍ عزيز، فيحفظ حقّ الضعيف، ويواجه الظلم، ويصون كرامة الإنسان في الوقت نفسه.
الثبات أمام اللوم
تختم الآية صفات أنصار الدين بقوله تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾، فالثبات على الحقّ يحتاج إلى قدرةٍ على مواجهة ضغط الناس وكلامهم؛ لأنّ المواقف المبدئيّة قد تكلّف صاحبها قبولاً اجتماعيّاً أو مصلحةً شخصيّة. وقد يُلام الإنسان لأنّه رفض ظلماً، أو وقف إلى جانب مظلوم، أو تمسّك بحكم شرعيّ، أو رفض مالاً مشبوهاً، أو امتنع عن مسايرة جماعةٍ في موقف يراه خاطئاً. وهنا يحتاج إلى التمييز بين النقد الذي يكشف خطأً حقيقيّاً، واللوم الذي يريد دفعه إلى ترك الحقّ طلباً لرضا الآخرين. قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[8]. فمراجعة النفس والاستماع إلى النصيحة من علامات العقل، بينما يجعل رضا الناس معياراً لموقفه من الحقّ الإنسانَ عرضةً للتنازل التدريجيّ عن مبادئه. أمّا من جعل رضا الله ميزانه، فيراجع نفسه باستمرار، ويصحّح خطأه إذا تبيّن له، ويثبت على الحقّ حين يتبيّن له، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «طوبى لمن شغله خوف الله عن خوف الناس»[9].
والثبات على الحقّ يحتاج كذلك إلى فهمٍ صحيح لوعد الله؛ فالمؤمن يؤدّي تكليفه، ويبذل وسعه، ويصبر على الابتلاء، ويثق بأنّ الله لا يضيع عمله، قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾[10].
إنّ الفتن والابتلاءات تكشف حقيقة ما يحمله الإنسان في داخله، وتظهر ما هو مستعدّ للتضحية به من أجل إيمانه. والمؤمن الذي يحبّ الله ويحبّه الله، ويرحم المؤمنين، ويعتزّ بالحقّ، وينصر المظلوم، ويثبت أمام الضغوط، يجعل من إيمانه موقفاً حيّاً يظهر في اختياراته وتضحياته؛ لأنّ قيمة الإيمان تتجلّى حين يتحوّل من قناعةٍ في القلب إلى ثباتٍ في الموقف والعمل.
[1] سورة المائدة، الآية 54.
[2] سورة الحجّ، الآية 11.
[3] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، مصدر سابق، ص542، الحكمة 374.
[4] سورة آل عمران، الآية 31.
[5] الكراكجيّ، العلّامة أبو الفتح محمّد بن عليّ بن عثمان، كنز الفوائد، مكتبة المصطفويّ، إيران - قمّ، 1369ش، ط2، ص214.
[6] سورة الفتح، الآية 29.
[7] من كلامٍ له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 09/01/2015م.
[8] سورة آل عمران، الآية 175.
[9] ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول، مصدر سابق، ص30.
[10] سورة المجادلة، الآية 21.


