يتم التحميل...

الزهراء (عليها السلام).. حياةٌ كلّها لله عز وجل

لم تكن حياة السيدة فاطمة عليها السلام لله فحسب، بل إنّها المعصومة الكاملة والأَمَةُ الحقيقيّة التي كان كلّ وجودها لله عزّ وجلّ. فوجودها الحقانيّ يبيّن لنا أنّ كلّ فعل بل كلّ خاطرة بل كلّ نفَسٍ صدر عنها عليها السلام لم يكن سوى تجلٍّ لإرادة الله عزّ وجلّ، وما يريده الله ويُحبّه هو مدار حياتها، فحياتها كلّها عبادة بالمعنى العامّ، ومع ذلك نراها تسعى جاهدةً لقيام الليل، والقيام بالمستحبّات، وكثرة الصلاة والدعاء. لمَ يا تُرى؟

عدد الزوار: 23

الزهراء (عليها السلام).. حياةٌ كلّها لله عز وجل

لم تكن حياة السيدة فاطمة عليها السلام لله فحسب، بل إنّها المعصومة الكاملة والأَمَةُ الحقيقيّة التي كان كلّ وجودها لله عزّ وجلّ. فوجودها الحقانيّ يبيّن لنا أنّ كلّ فعل بل كلّ خاطرة بل كلّ نفَسٍ صدر عنها عليها السلام لم يكن سوى تجلٍّ لإرادة الله عزّ وجلّ، وما يريده الله ويُحبّه هو مدار حياتها، فحياتها كلّها عبادة بالمعنى العامّ، ومع ذلك نراها تسعى جاهدةً لقيام الليل، والقيام بالمستحبّات، وكثرة الصلاة والدعاء. لمَ يا تُرى؟
 
عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ ابنتي فاطمة ملأ الله قلبها وجوارحها إيمانًا ويقينًا إلى مُشاشها، ففرغت لطاعة الله"[1]. فتفرّغها لطاعة الله وسعيها للوصال الدائم عبر الصلاة والتهجّد هو فرع معرفة الله التي تورث الحبّ والعشق، يقول الإمام الخمينيّ قدس سره في كلام له حول الصلاة: "إنَّ من أعلى مراتب الخسران والضرر الاكتفاء بصورة الصلاة وقشرها، والحرمان من بركاتها وكمالاتها الباطنية، التي توجب السعادات الأبدية، بل جوار ربّ العزّة ومرقاة العروج إلى مقام الوصول إلى وصال المحبوب المطلق الذي هو غاية آمال الأولياء ومنتهى أمنيّة أصحاب المعرفة وأولي القلوب، بل هو قرّة عين سيد الرسل صلى الله عليه وآله وسلم"[2].. فالمحبّ والعابد يتحيّن الفرص للقاء محبوبه ومعبوده، وكلّ لحظة يستطيع فيها الاتصال بمحبوبه فلن يقصّر، ويفضل الاختلاء به وفي أوقات خاصّة، كلّ ذلك من مستلزمات العشق، لهذا نراها عليها السلام لا توفّر فرصة للاتصال بالله عزّ وجلّ إلّا فعلت، حتّى مع انهماكها بمقتضيات الحياة نراها تحيي ليلها حتّى الفجر في عبادة ربّها، فعن الإمام الحسن عليه السلام، قال: "رأيت أمّي فاطمة عليها السلام قامت في محرابها ليلة جمعتها، فلم تزل راكعة ساجدة حتّى اتّضح عمود الصبح"[3].
 
اهتمامها عليه السلام بتفاصيل العبادة
تروي لنا الأخبار أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد خصّ السيدة فاطمة عليها السلام والإمام عليّاً عليه السلام بالعديد من الصلوات والأذكار، فكان يُعلّمهم صلوات مستحبّة وأدعية كثيرة في حالات مختلفة كالتعقيبات عقيب الصلوات والدعاء عند رؤية الهلال وأعمال ما قبل النوم[4]، وفي رواية عن الزهراء عليها السلام قالت: "سمعت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إنَّ في الجمعة لساعة لا يوافقها رجل مسلم، يسأل الله عزّ وجلّ فيها خيرًا إلّا وأعطاه إيّاه.. إذا تدلّى نصف عين الشمس للغروب، وكانت فاطمة عليها السلام تقول لأحدهم: اصعد إلى الظراب، فإذا رأيت عين الشمس قد تدلّت للغروب فأعلمني حتّى أدعو. فلا تزال تدعو حتّى تغرب الشمس، ثمّ تصلي"[5]. وفي ذلك دلالة على اهتمامها عليها السلام بالأمور التفصيليّة في العبادة والحرص على التعبّد الدائم والاهتمام بأيّ تفصيل فيه تقرّب إلى الله عزّ وجلّ ورضى، هذا إضافةً إلى العديد من الصلوات والأدعية المروية عنها عليها السلام حتّى إنَّها جمعت في كتب خاصّة[6].
 
الاهتمام بعبادة الأهل
يقول الله عزّ وجلّ في كتابه العزيز ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾[7], ويقول في موضع آخر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾[8], فعلى الفرد أن يهتمّ بعبادة غيره وخصوصًا أهله، وعلاقتهم بالله وما يُقرّبهم إليه، لكن بطريقة حكيمة، بحسب الوسع والتأثير حتّى لا تأتي النتائج معاكسة. وقد كان من سلوك السيدة فاطمة عليها السلام أن تهتمّ بعبادة أهلها، حيث جاء في رواية عن عليّ عليه السلام أنّه قال: "إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يطوي فراشه ويشدُّ مئزره في العشر الأواخر من شهر رمضان، وكان يوقظ أهله ليلة ثلاث وعشرين.. وكانت فاطمة عليها السلام لا تدَعُ أحدًا من أهلها ينام تلك الليلة وتداويهم بقلّة الطعام وتتأهَّب لها من النهار وتقول: محروم من حُرم خيرها"[9]، فكانت تهيّء الظروف لها ولعائلتها لإحياء الليلة وتتحضر للتعبُّد فيها.
 
الدعاء للآخرين
كانت السيدة الزهراء عليها السلام تولي الدعاء لجيرانها والمؤمنين والمؤمنات أهمّية كبيرة، فكانت تدعو لهم وتسمّيهم قبل أن تدعو حتّى لأولادها ونفسها، ففي رواية عن الحسن عليه السلام أنّه قال: "رأيت أمّي فاطمة عليها السلام قامت في محرابها ليلة جمعتها، فلم تزل راكعة ساجدة حتّى اتّضح عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسمِّيهم وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء. فقلت لها: يا أمّاه! لِمَ لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت: يا بُنيَّ، الجار ثمّ الدار"[10].
 
* من كتاب: السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام قدوة وأسوة - دار المعارف الإسلامية الثقافية


[1] إسماعيل الأنصاري، الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء عليها السلام، مصدر سابق، ج 21، ص 110.
[2] الإمام الخمينيّ، معراج السالكين (الآداب المعنوية للصلاة)، مصدر سابق، ص 16.
[3] إسماعيل الأنصاري، الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء عليها السلام، مصدر سابق، ج 21، ص 107.
[4] المصدر نفسه، ص 121-122.
[5] المصدر نفسه، ص 117 - 118.
[6] راجع: عبود، أسعد، صحيفة الزهراء عليها السلام، الإرشاد للطباعة والنشر، 1999م.
[7] سورة طه، الآية 132.
[8] سورة التحريم، الآية 6.
[9] إسماعيل الأنصاري، الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء عليها السلام، مصدر سابق، ج 21، ص 128.
[10] المصدر نفسه، ص 108.

2026-10-20