عند الشدّة
هدف الموعظة تعزيز ثقافة اللجوء إلى الله عند الشدائد، من خلال الصبر والصلاة والتوكّل، واستمداد القدرة منها على الثبات ومواصلة المسؤوليّة.
عدد الزوار: 20عند الشدّة
هدف الموعظة
تعزيز ثقافة اللجوء إلى الله عند الشدائد، من خلال الصبر والصلاة والتوكّل، واستمداد القدرة منها على الثبات ومواصلة المسؤوليّة.
محاور الموعظة
1. الصبر قوّة
2. الصلاة ملجأ
3. في قلب المحنة
4. خشوعٌ يثبّت القلب
تصدير الموعظة
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾[1].
يمرّ الإنسان في حياته بأحوالٍ تتغيّر فيها قدرته على الاحتمال؛ فقد يواجه ضيقاً في الرزق، أو مرضاً، أو فقداً، أو خوفاً، أو حزناً، أو حيرةً أمام أمرٍ يعجز عن تغييره. وفي هذه اللحظات يحتاج إلى ما يثبّت قلبه، ويمنحه القدرة على الاستمرار، ويعيده إلى مصدر القوّة الحقيقيّ، ولذلك وجّه القرآن المؤمن إلى الصبر والصلاة، فقال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾.
الصبر قوّة
الصبر قدرةٌ على الثبات والاستمرار في أداء ما يجب على الإنسان أداؤه حين تشتدّ عليه الظروف. وقد يعرف الإنسان واجبه، لكنّه يحتاج إلى قوّةٍ تحفظه من الجزع والانهيار، وتعينه على مواصلة الطريق. فقد يحتاج إلى الصبر في مرضه، وفي طلب رزقه، وفي تحمّل مسؤوليّات أسرته، وفي ضبط غضبه، وفي مقاومة الشهوات، وفي الثبات على الطاعة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[2]، فالصابر يستمدّ من معيّة الله ما يعينه على تحمّل المشقّة ومواصلة التكليف.
وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «الصَّبْرُ صَبْرَانِ صَبْرٌ عَلَى مَا تَكْرَه وصَبْرٌ عَمَّا تُحِبُّ»[3]، فالصبر يشمل مواجهة البلاء، كما يشمل ضبط النفس عن الشهوات والرغبات حين تدعو إلى معصية الله. وفي الحالين يحتاج الإنسان إلى قوّةٍ داخلية تحفظه من الانقياد لما تفرضه اللحظة من ألم أو رغبة.
الصلاة ملجأ
يجمع القرآن بين الصبر والصلاة؛ فالصبر يثبّت الإنسان في مواجهة الشدّة، والصلاة تصِل قلبه بالله وتجدّد اعتماده عليه، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «كان عليٌّ (عليه السلام) إذا أهاله شيءٌ فزع إلى الصلاة، ثمّ تلا هذه الآية: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾»[4].
وتكشف هذه الرواية عن منهجٍ عمليّ في التعامل مع الشدائد: حين يواجه الإنسان أمراً يهوله، يتوجّه إلى الصلاة، فينتقل من الانشغال بحدود قدرته إلى التعلّق بقدرة الله، ومن اضطراب النفس إلى استحضار معيّة الله ورحمته. قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾[5]. فالصلاة تعيد ترتيب علاقة الإنسان بربّه، وتذكّره بأنّ الأمر الذي يعجز عنه لا يعجز الله تعالى، وأنّ ما يضيق به صدره يبقى داخل قدرة الله وتدبيره.
في قلب المحنة
يظهر هذا المعنى في قصّة النبيّ موسى (عليه السلام) حين اشتدّ البلاء على بني إسرائيل تحت ظلم فرعون، فكان من توجيه الله لهم أن يقيموا الصلاة، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾[6]. ففي قلب المحنة بقيت الصلاة جزءاً من بناء المؤمنين وتثبيتهم، لتكون الصلة بالله مصدراً للطمأنينة والقدرة على مواجهة الواقع.
ويظهر هذا المعنى أيضاً في قصّة النبيّ يونس (عليه السلام)، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾[7]. فالصلة بالله واللجوء إليه كانا من أسباب نجاته، بعد أن بلغ به البلاء غايته.
وهكذا تتحوّل الشدّة في حياة المؤمن إلى لحظةٍ يعيد فيها وصل قلبه بالله، ويستمدّ منه القدرة على الصبر والعمل ومواصلة الطريق.
خشوعٌ يثبّت القلب
تختم الآية وصفها للصلاة بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. والخشوع يجعل الصلاة ذات معنى عميق في حياة الإنسان؛ فالخاشع يقف بين يدي الله وهو يستحضر لقاءه به ورجوعه إليه؛ ولذلك تصبح الصلاة مصدرَ سكينةٍ وثبات، ويجد فيها ما يعينه على مواجهة أعباء الحياة. يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «إنّ العبوديّة لله، والخشوع أمام الله، يوجِبان أن لا يخضع الإنسان لأيّ متعسِّف ومتغطرس. القلب الذي أدرك [وعی] المهابة والعزّة الإلهيّة، يشعر في قرارة نفسه، بعزّةٍ لا تستطيع مقاومتها حتّی أعتی القوی»[8].
بناءً عليه، لا بدّ للإنسان من بناء العلاقة بالصلاة في أوقات الرخاء قبل أوقات الشدّة؛ فالإنسان الذي اعتاد الوقوف بين يدي الله في أيّام الراحة يجد في الصلاة ملجأً طبيعيّاً عندما تضيق به الحياة، قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾[9]. وعندما تضيق الحياة، يجمع المؤمن بين العمل والتوكّل: يأخذ بالأسباب، ويبذل ما يستطيع، ويصبر على ما يعجز عن تغييره، ثمّ يلجأ إلى الله بقلبٍ خاشع. تلك هي المعادلة التي ترسمها الآية: صبرٌ يثبّت الإنسان، وصلاةٌ تصِله بالله، وخشوعٌ يذكّره بأنّ وراء هذه الدنيا ربّاً إليه المرجع والمآل.
[1] سورة البقرة، الآيتان 45 - 46.
[2] سورة الأنفال، الآية 46.
[3] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، مصدر سابق، ص478، الحكمة 55.
[4] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج3، ص480.
[5] سورة طه، الآية 14.
[6] سورة يونس، الآية 87.
[7] سورة الصافّات، الآيتان 143 - 144.
[8] من كلامٍ له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 15/04/2009م.
[9] سورة الطلاق، الآية 3.


