يتم التحميل...

حين نخشى الاستبدال

هدف الموعظة تعميق الوعي بأنّ الخوف الحقيقيّ هو من التولّي عن طاعة الله وفقدان شروط الثبات، لا من صعوبة الطريق أو قوّة الباطل، مع تعزيز محاسبة النفس والتمسّك بالتكليف.

عدد الزوار: 15

حين نخشى الاستبدال

هدف الموعظة

تعميق الوعي بأنّ الخوف الحقيقيّ هو من التولّي عن طاعة الله وفقدان شروط الثبات، لا من صعوبة الطريق أو قوّة الباطل، مع تعزيز محاسبة النفس والتمسّك بالتكليف.

محاور الموعظة
1. الخوف من الاستبدال
2. الثبات مسؤوليّة متجدّدة
3. النصر وعدٌ مشروط

تصدير الموعظة
﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾[1].
إذا كان المؤمن يثق بالله، فلماذا يخاف؟ إنّ القرآن الكريم لا يعلّمنا أن نعيش بلا خوف، بل يعلّمنا ماذا نخاف وممّن نخاف؛ فثمّة خوف محمود يحمي الإنسان من السقوط، وآخر مذموم يشلّ إرادته ويمنعه من أداء تكليفه؛ لذلك فإنّ السؤال الصحيح هو: متى ينبغي أن يخاف الإنسان؟

الخوف من الاستبدال
إنّ آية الاستبدال لا تتكلّم على الخوف من العدوّ أو من الخسارة، بل على خطر أعمق، هو أن يتولّى الإنسان عن طاعة الله، فيستبدله الله بغيره، قال تعالى: ﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾. واللافت أنّ الآية سبقتها دعوة إلى الإنفاق، ثمّ ذكرت البخل، ثمّ جاءت بسنّة الاستبدال؛ وهذا يعني أنّ حمل الدين ليس شعاراً، بل مسؤوليّة لها كلفتها، من البذل، والتضحية، والإنفاق، والثبات...
 
وقد بيّن المفسرون أنّ معنى التولّي هنا هو الإعراض عن طاعة الله ودينه، وأنّ الله غنيّ عن عباده، قادر على أن يأتي بقوم أطوع وأثبت، ليسوا أمثال مَن يتولّى ويُعرِض عن طاعة الله عزّ وجلّ.
وعليه، فإنّ الخوف الحقيقيّ ليس في خسارة معركة، أو من بلاءٍ ما، أو من تأخّر عن تحقيق هدف؛ إنّما الخوف الحقيقيّ يكمن في خسارة رضا الله تعالى، وركوب ما يُسخطه، ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾[2].
 
الثبات مسؤوليّة متجدّدة
إنّ التضحيات التي يبذلها المؤمن في سبيل الله، والثبات في ساحات المسؤوليّة، لا تعني أنّه أصبح بمنأى عن خطر التراجع أو الانحراف؛ فآية الاستبدال لا تمنح أحداً شهادة دائمة بالثبات، والانتماء إلى خطّ الإيمان ليس امتيازاً أبديّاً، وإنّما هو مسؤوليّة تتجدّد مع كلّ امتحانٍ واختبار؛ ولهذا كان من دعاء النبيّ (صلّى الله عليه وآله): «اللهمّ... أصلح لي شأني كلّه، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عينٍ أبداً»[3]؛ لأنّ الثبات على الطاعة توفيقٌ يحتاجه الإنسان في كلّ لحظة، ولا يملك المؤمن ضماناً ذاتيّاً يحميه من التراجع إذا غفل عن الله أو اطمأنّ إلى نفسه.
 
 يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾[4]، فالآية لا تجعل معيار القرب من الله مجرّد الانتماء أو الادّعاء، بل ترسم صفات واضحة لأهل الثبات: محبّة الله، ومحبّة المؤمنين، والعزّة في مواجهة الباطل، والبذل في سبيل الله، وعدم الخضوع لضغوط الناس ولومهم.
 
من هنا، فإنّ الثبات الحقيقيّ يبدأ من محاسبة النفس ومراقبة السلوك: هل ما زالت طاعتنا لله كما ينبغي؟ هل حافظنا على الصلاة، والصدق، والأمانة، والعفّة، والرحمة، والعدل؟ هل نؤدّي حقوق الناس؟ هل نتحمّل مسؤوليّتنا تجاه مجتمعنا؟ أم اختصرنا الدين في ميدان واحد، ثمّ أهملنا بقيّة التكاليف التي أمرنا الله بها؟
 
قد يكون الإنسان شجاعاً في مواجهة عدوّه، لكنّه ضعيف أمام شهوته، وقد يكون ثابتاً في الميدان، لكنّه ينهار أمام المال أو السلطة أو حبّ الظهور. وقد يبذل نفسه في موقف، ثمّ يعجز عن ضبط لسانه أو غضبه أو أهوائه في موقف آخر.
لذلك، فإنّ خطر الاستبدال لا يرتبط فقط بالجبن في ساعة المواجهة، بل قد يبدأ من الداخل: من تراجعٍ تدريجيّ عن الطاعة، أو استهانةٍ بالذنب، أو تعلّقٍ بالدنيا، أو تحوّل التضحية إلى شعور بالاستحقاق، حتّى يصبح الإنسان أسيراً لما يبعده عن الله وهو يظنّ أنّه ما يزال ثابتاً على طريقه.
 
والثبات الذي نطلبه من الله ليس ثباتاً في الميدان فحسب، بل ثباتٌ على طاعته في كلّ الميادين؛ لأنّ الذي يحمل أمانة الدين لا يُختبر في لحظة واحدة، وإنّما يُختبر في صلاته، وأخلاقه، وأمانته، وتعامله، وشهواته، وماله، ومواقفه، وفي قدرته على أن يبقى عبداً لله عندما تتغيّر الظروف.
 
النصر وعدٌ مشروط
وإذا كانت سنّة الاستبدال تحذّرنا من أن نتولّى عن أمر الله فيستبدل بنا غيرنا، فإنّ سنّة النصر تفتح أمامنا باباً آخر من الطمأنينة، ولكن ضمن شروطها، يقول تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾[5]، فهذا وعدٌ إلهيّ لا ينبغي للمؤمن أن يشكّ فيه، لكنّ فهمه يحتاج إلى دقّة؛ فالآية لم تقل إنّ كلّ جماعة تنتسب إلى الإيمان ستنتصر في كلّ مواجهة، ولم تقل إنّ النصر سيكون دائماً سريعاً أو خالياً من الألم والخسائر، وإنّما تحدّثت عن نصر المؤمنين؛ أي أولئك الذين تحقّقت فيهم حقيقة الإيمان ولوازمه.
 
والقرآن نفسه يقدّم لنا أوضح شاهد على ذلك في غزوة أُحد، حين أصاب المسلمين ما أصابهم من القتل والجراح والانكسار، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾[6]، فالقرآن لم يفسّر ما جرى باعتباره تخلّياً عن وعد الله، بل كشف أثر الخلل البشريّ في مسار المعركة.
 
وهنا تتّضح العلاقة بين سنّة الاستبدال وسنّة النصر: الله سبحانه وعد بنصر المؤمنين، لكنّه في الوقت نفسه لا يلغي مسؤوليّتهم، ولا يعفيهم من سننه في الأخذ بالأسباب، والطاعة، والصبر، والثبات، ومراجعة مواطن الخلل؛ ولذلك فإنّ التضحيات العظيمة التي تُبذل في سبيل الله ليست صكّاً بالعصمة، ولا تعني أنّ أصحابها أصبحوا فوق المحاسبة؛ بل تزيدهم مسؤوليّةً في الحفاظ على ما ضحّوا من أجله.
 
من هنا، فإنّ الخوف الذي ينبغي أن يسكن قلوبنا ليس من طول الطريق ومشقّته، ولا من شدّة العدو، ولا من ارتفاع الكلفة، بل الخوف من أن نفقد شروط النصر؛ نخاف عندما تضعف طاعتنا لله، وعندما نظلم، ونخون الأمانة، ونستهين بحقوق الناس، ويغلب حبّ الدنيا على حبّ الله، وتتحوّل التضحية من عبادة إلى مصلحة، والقوّة من وسيلة لنصرة الحقّ إلى سبب للغرور والاستعلاء.
 
أمّا الخوف الذي يدفعنا إلى التراجع عن الحقّ لمجرّد أنّ الطريق شاقّ، أو أنّ الثمن غالٍ، أو أنّ الباطل يبدو قويّاً، فليس هو الخوف الذي يريده الله من المؤمن، قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[7]، ويقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه) معلِّقاً على هذه الآية: «يقول الله تعالى: أيّها المؤمنون، لا تخافوا أولياء الشيطان وأتباعَه، ولا تخشَوا القوى الشيطانيّة، بل خافوني وخافوا الانحراف عن الصراط المستقيم. إذا انحرف الإنسان عن الصراط المستقيم، فهذا أمر مخوِّف؛ لأنّكم عندما تنحرفون عن الجادّة المستقيمة والصحيحة والقويّمة، سوف تتيهون في الصحراء؛ وهذا ما يجب أن تخافوه»[8]؛ ولذلك كان من أخطر ما يُبتلى به أهل الإيمان أن يطمئنّوا إلى أنفسهم بدل أن يطمئنّوا إلى الله؛ أن يرَوا تضحياتهم دليلاً على استحقاقهم الدائم، بدل أن يروها أمانةً تستوجب مزيداً من التواضع والطاعة والمراجعة.


[1] سورة محمّد، الآية 38.
[2] سورة محمّد، الآية 28.
[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص524.
[4] سورة المائدة، الآية 54.
[5] سورة الروم، الآية 47.
[6] سورة آل عمران، الآية 165.
[7] سورة آل عمران، الآية 175.
[8] من كلامٍ له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 08/02/2019م.

2026-09-21