الثقة بالقيادة وتحقيق الانتصار
لقد كان الإمام علي عليه السلام في أواخر أيام عمره الشريف، يتذكّر أصحابه الشهداء وأنصاره الأوفياء، ويتأوّه على فقدانهم ويتوق من أجل لقائهم. إن افتقاده لشيعته الخلّص كان يُظهره أنينه الواضح في كلماته النورانية، خاصة أنّ هؤلاء كانوا أكثر الناس اتبّاعاً لقيادته الشريفة، في مقابل من تخاذل عنه وطعنه في ظهره، لذلك يقول عليه السلام عنهم: "وثقوا بالقائد فاتبعوه"
عدد الزوار: 19الثقة بالقيادة وتحقيق الانتصار
لقد كان الإمام علي عليه السلام في أواخر أيام عمره الشريف، يتذكّر أصحابه الشهداء وأنصاره الأوفياء، ويتأوّه على فقدانهم ويتوق من أجل لقائهم. إن افتقاده لشيعته الخلّص كان يُظهره أنينه الواضح في كلماته النورانية، خاصة أنّ هؤلاء كانوا أكثر الناس اتبّاعاً لقيادته الشريفة، في مقابل من تخاذل عنه وطعنه في ظهره، لذلك يقول عليه السلام عنهم: "وثقوا بالقائد فاتبعوه"[1].
نستفيد من هذه الكلمة النورانية، أن من أهم مميّزات المجاهدين التعبويين، بعد معرفة قائدهم الديني هو الاطمئنان له والثقة به. لذلك لا بد من الناحية العملية من تطبيق هذه الثقة بإطاعة أوامره واتباعه بدون كثرة سؤال وتشكيك: كيف؟ ولم؟ ولماذا؟
لذلك فإنّ وحدة الصف والكلمة، ونبض القلب الواحد عند المجموعة في إطاعة القائد الواحد اللائق الكفؤ، تعتبر من أهم عوامل التوفيق والنجاح والنصر.
وفي المقابل فإنّ كلْ مجموعة - حتى ولو كانت على حق- إذا كانت التفرقة تملأ قلوب أفرادها، والأفراد بدورهم مشتتون على أهواء وسلائق مختلفة، فإن الانكسار والهزيمة سوف تكون هي النتيجة الحتمية لهم.
إنّ روح الأخوة والتعاون إذا فقدت، وانعدم التواصل والتنسيق المستمر بين المؤمنين، فمن الطبيعي أنْ تزداد الخلافات والحساسيّات بينهم، وتحصل التشقّقات في الصف الواحد، والأعداء في واقع الأمر يتربّصون بنا وينتظرون لحظات كهذه لينقضّوا على أصل وجود أهل الإيمان.
ومن هنا، نستطيع أن نقول إنَّ سياسة خلق العلل وصنع الذرائع، والتفتيش عن الأعذار، من قبل بعض جنود جيش الإمام علي عليه السلام، لأجل تبرير تقاعسهم عن تنفيذ أوامره، أو إعمال ذوقهم الشخصي في تنفيذ تلك التكاليف الموجّهة إليهم من قبله عليه السلام، مثل هذه الأعمال والتصرّفات هي التي أصابت المجتمعَ الإسلامي والمسلمين بنكساتٍ وخساراتٍ غير قابلةٍ للجُبران والتّدارك.
يقول أمير المؤمنين عليه السلام حول هذا الموضوع، مخاطباً عسكره: "أما والذي نفسي بيده ليظهرن هؤلاء القوم عليكم، ليس أنهم أولى بالحق منكم، ولكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم وإبطائكم عن حقّي... لوددت والله أنّ معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلاً منهم"[2].
ويضيف الإمام علي عليه السلام في نفس السياق، مخاطباً أولئك المتخاذلين في أداء تكاليفهم: "استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا، وأسمعتكم فلم تسمعوا، ودعوتكم سراً وجهراً فلم تستجيبوا، ونصحت لكم فلم تقبلوا... أتلو عليكم الحِكَم فتنفرون منها، وأعظكم بالموعظة البالغة فتتفرّقون عنها، وأحثّكم على جهادِ أهل البغي فما آتي على آخر قولي حتى أراكم متفرِّقين أيادي سبأ. أيها القوم الشاهدة أبدانهم، الغائبة عنهم عقولهم، المختلفة أهواؤهم، المُبتلى بهم أمراؤهم، صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه، وصاحب أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه"[3].
وبناءً على ما تقدّم من الكلام النوراني لأمير المجاهدين عليه السلام، يمكن القول بأن الانسجام والتعاون بين الأفراد والمجاهدين في التعبئة، والطاعة المطلقة للقائد الثقة، الكفوء، بدون سؤال وتشكيك يُعدُّ من أهم الصفات والخصائص اللازمة للمجاهدين، لذلك نرى أنّ أمير المؤمنين عليه السلام عدّ أصحاب معاوية أفضل ممن حوله من الأنصار، فقال عليه السلام: "صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه، وصاحب أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه"[4].
ولو ألقينا نظرة سريعة على واقع الأمة الحالي، لرأينا أن كل مشكلاتها منبعها هو التفرّق عن القيادة الإسلامية الواحدة والواعية، ولذلك أمكن للجبروت الشيطاني الأميركي أن يتغلغل في جسد الأمة ويزيدها ضعفاً يوماً بعد يوم.
ولقد كان هذا الحال من الضعف هو ديدن الأمة لقرون طويلة. حتى جاء الزمن الذي اجتمعت فيه الأمة، وقلوب الشباب الطاهرة حول قائدٍ ديني ومعنوي عظيم هو الإمام الخميني قدس سره، واستطاعت أن تصل بعناية الله تعالى إلى النصر الذي وصل مداه إلى كل العالم.
إنَّ ثبات المجاهدين التعبويين على درب الطاعة لإمام الأمة الراحل قدس سره، نابع من معرفتهم به، ووعيهم وتسليمهم لقيادته الحكيمة للأمة، ومن عشقهم وتعلّقهم الروحي والوجداني المماثل له، دفعهم ذلك كله إلى تحقيق الانتصارات تلو الانتصارات. من تلك القوّة هدرت موجة الثوار فأزالت الشاه من الوجود، ثم صفعت أميركا والعالم صفعة أليمة أثناء الحرب المفروضة.
وهكذا يجب أن يستمر التعبويون المجاهدون اليوم في السير على خطى القائد الحكيم قدس سره، وليعشقوا أداء التكاليف التي يلقيها على عواتقهم، فإنّ الانتصارات لا يمكن أن تتحقّق إلا بهذا الطريق.
تذكّر الشهداء وإحياء ذكراهم
سيرة الإمام علي عله السلام عابقة بشتى الاستفادات النورانية، ومن إحداها التي تتعلّق بشخصية المجاهد، هي شدّة حبه ووفائه لأصحابه حتى بعد شهادتهم ورحيلهم عن هذه الدنيا، لأنَّ الشهداء وبشهادة القرآن ﴿أَحْيَاء﴾[5]، يتنعَّمون برزقِ الله تعالى في عالمٍ غير عالَمنا. يقول أمير المؤمنين مخاطباً أصحابَه الأوفياء: "أولئك إخواني الذَّاهبون، فحقٌّ لنا أنْ نظمأَ إليهم ونعضَّ الأيديَ على فراقهم"[6].
وفي مكانٍ آخر يتذكّر الإمام عليه السلام بكل شوق وحنين أصحابه الذين سالت دماؤهم الطاهرة في حرب صفين، قائلاً: "أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق؟ أين عمار وأين ابن التيّهان وأين ذو الشهادتين، وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنية وأُبرِدَ برؤوسهم إلى الفجرة؟"[7].
ثم يضع الإمام عليه السلام يده على لحيته الشريفة ويبكي طويلاً ويقول: "أين إخواني...".
وفي اللغة العربية عندما تستعمل كلمة "أوّه" في الكلام فمعنى ذلك أنَّ القلب يتألَّمُ بشدّة، وهو تعبيرٌ عن غايةِ التأثُّرِ والتوجُّع.
بهذه الحالة الرقيقة كان أمير المؤمنين عليه السلام يتذكّر الأصحاب والشّهداء، لكي تكون قدوة أخلاقية وتربوية لكل أتباع الإمام عليه السلام، بما فيها من دعوةٍ إلى الحفاظ على ذكرى الشهداء وإحيائها بأفضل وجهٍ وأحسن أسلوب.
* من كتاب: الربيّون عطاء حتى الشهادة - جمعية المعارف الإسلاميّة الثقافية
[1] نهج البلاغة، الخطبة: 182.
[2] نهج البلاغة، الخطبة: 96.
[3] نهج البلاغة، الخطبة 97.
[4] نهج البلاغة، الخطبة 97.
[5] سورة آل عمران، الآية: 169.
[6] نهج البلاغة، الخطبة: 121.
[7] نهج البلاغة، الخطبة: 182.


