المربّي القدوة وأثره في بناء الطفل
على الوالدين تربية أنفسهما قبل تأديب الطفل وتربيته، لأنّهما إن لم يكونا في أنفسهما مؤدّبين، فلا يُمكن أن يتأدّب الطفل منهما، لأنّ فاقد الشيء لا يُعطيه، عن الإمام عليّ عليه السلام، قال: "من نصّب نفسه للناس إماماً، فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليمه غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلّم نفسه ومؤدّبها أحقّ بالإجلال من معلّم الناس ومؤدّبهم"
عدد الزوار: 15المربّي القدوة وأثره في بناء الطفل
على الوالدين تربية أنفسهما قبل تأديب الطفل وتربيته، لأنّهما إن لم يكونا في أنفسهما مؤدّبين، فلا يُمكن أن يتأدّب الطفل منهما، لأنّ فاقد الشيء لا يُعطيه، عن الإمام عليّ عليه السلام، قال: "من نصّب نفسه للناس إماماً، فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليمه غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلّم نفسه ومؤدّبها أحقّ بالإجلال من معلّم الناس ومؤدّبهم"[1].
وعن الإمام عليّ عليه السلام: "أفضل الأدب ما بدأت به نفسك"[2].
وعنه عليه السلام: "تولّوا من أنفسكم تأديبها..."[3].
فعملية تربية الطفل لا تكون بمجرّد اللفظ والقول ولسان الأمر والنهي، بل تكون تربية عمليّة من خلال كون المؤدِّب نموذجاً وقدوة وأسوة للطفل، يُحاكيه في أفعاله وسلوكاته. لذا يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "أصلح المسيء بحُسن فعالك"[4].
وعنه عليه السلام، قال: "لسان الحال أصدق من لسان المقال"[5].
فمن الأصول التربويّة في الرؤية الإسلاميّة التربية بالنموذج والقدوة والأسوة، وهذا النوع من التربية غير مختصّ بالأب والأمّ، بل يشمل كلّ معلّم ومربّ، في المدرسة والكشّاف وغيرهما من المؤسّسات التربويّة. فعلى الأب والأمّ والمعلّم والمربّي والقائد الكشفيّ والمدرّب الرياضيّ... حتى يستطيعوا تربية الطفل والتلميذ تربية صالحة، أن يبدأوا بتربية أنفسهم أولاً، ليكون ذلك منطلقاً صحيحاً لتربية الأطفال والتلاميذ تالياً، وأن تكون تربيتهم بسيرتهم وفعلهم، لا بالأقوال والألفاظ.
يقول السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ قدس سره: "إنّ من الواجب أن يكون المعلّم المربّي عاملاً بعلمه، فلا تأثير في العلم إذا لم يُقرن بالعمل، لأنّ للفعل دلالة كما أنّ للقول دلالة. فالفعل المخالف للقول يدلّ على ثبوت هيئة مخالفة في النفس، يُكذِّب القولَ، فيدلّ على أنّ القول مكيدة ونوع حيلة يحتال بها قائله.
ولذلك، نرى الناس لا تلين قلوبهم ولا تنقاد نفوسهم للعظة والنصيحة، إذا وجدوا الواعظ به أو الناصح بإبلاغه غير متلبّس بالعمل، متجافياً عن الصبر والثبات في طريقه، وربما قالوا: لو كان ما يقوله حقّاً لعمل به... فمن شرائط التربية الصالحة أن يكون المعلِّم المربِّي نفسُه متّصفاً بما يصفه للمتعلِّم، متلبّساً بما يُريد أن يلبسه، فمن المحال العاديّ أن يُربّي المربِّي الجبانُ شجاعاً باسلاً، أو يتخرّج عالمٌ حرٌّ في آرائه وأنظاره في مدرسة التعصّب واللّجاج، وهكذا[6]...
فلذلك كلّه، كان من الواجب أن يكون المعلِّم المربِّي ذا إيمان بموادّ تعليمه وتربيته.
... فالتربية المستعقبة للأثر الصالح هي ما كان المعلِّم المربِّي فيها ذا إيمان بما يُلقيه إلى تلامذته، مشفوعاً بالعمل الصالح الموافق لعلمه. وأمّا غير المؤمن بما يقوله، أو غير العامل على طبق علمه، فلا يُرجى منه خير. ولهذه الحقيقة مصاديق كثيرة وأمثلة غير محصاة في سلوكنا معاشر الشرقيّين والإسلاميّين، لا سيّما في التعليم والتربية في معاهدنا الرسميّة وغير الرسميّة، فلا يكاد تدبير ينفع ولا سعي ينجح"[7].
وفي هذا السياق نتناول مقطعاً مهمّاً من كلمة للإمام الخامنئيّ دام ظله، يوضح فيها وظيفة المعلِّم تجاه الطفل، يقول: "إذا أخذنا التعليم بمعناه الواسع، فإنّه يشمل هذه الأمور الثلاثة:
1- الأوّل: تعليم العلم، أي تدريس محتويات الكتب والعلوم التي ينبغي لأولادنا - رجال ونساء بلادِنا في المستقبل - أن يتعلّموها.
2- الثاني: وهو أهمّ من الأوّل، هو تعليم التفكير. يجب أن يتعلّم أطفالنا كيف يُفكّرون - الفكر الصحيح والمنطقيّ -، وينبغي أن تجري هدايتهم نحو التفكّر الصحيح... الاستفادة من العلم إنّما تُصبح ممكنة بواسطة التفكير.
3- الثالث: هو السلوك والأخلاق، أي تعليم السلوك والأخلاق... (و) تعليم الأخلاق والسلوك ليس من قبيل تعليم العلم، بحيث يقرأ الإنسان ويدرس من الكتب وحسب. درس الأخلاق لا يُمكن نقله بواسطة الكتب، السلوك مؤثّر أكثر من الكتاب والكلام. أي إنّكم في الصفّ وبين التلاميذ تُدرّسونهم بسلوككم. بالطبع يجب القول والبيان بالكلام أيضاً، ويجب إسداء النصيحة، لكنّ السلوك تأثيره أعمق وأشمل. سلوك الإنسان يُبيّن صدق الكلام"[8].
* من كتاب: تربية الطفل، الرؤية الإسلامية للأصول والأساليب - دار المعارف الإسلامية الثقافية
[1] نهج البلاغة، باب المختار من حكم أمير المؤمنين ومواعظه، ص640-641، ح73.
[2] ميزان الحكمة، ج1، ص54.
[3] نهج البلاغة، فصل في بيان كلمات غريبة جاءت في كلامه، ح 359.
[4] عيون الحكم والمواعظ، ص 82.
[5] المصدر نفسه، ص 420.
[6] قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ سورة البقرة، الآية 44. وقال حكاية عن قول شعيب لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ سورة هود، الآية 88.
[7] السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج6، ص259-260.
[8] من كلمة للإمام الخامنئيّ دام ظله في لقاء المعلمين والتربوييّن بمناسبة أسبوع المعلّم بتاريخ 07/05/2014م.


