يتم التحميل...

الهجرة النبويّة وبناء المجتمع الإسلامي

بعد أن عاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من الطائف استأنف جهوده عند حلول موسم الحجّ متنقّلاً بين وفودها، حيث اجتمع بستّة من أهل يثرب في السنة الحادية عشرة من البعثة، فدعاهم لرسالته، فآمنوا به، وأقسموا أن يعملوا في سبيلها عند عودتهم إلى بلدهم.

عدد الزوار: 12

الهجرة النبويّة وبناء المجتمع الإسلامي

بعد أن عاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من الطائف استأنف جهوده عند حلول موسم الحجّ متنقّلاً بين وفودها، حيث اجتمع بستّة من أهل يثرب في السنة الحادية عشرة من البعثة، فدعاهم لرسالته، فآمنوا به، وأقسموا أن يعملوا في سبيلها عند عودتهم إلى بلدهم.
 
ولم يكن اجتماعه بهؤلاء الستة عملاً عفوياً، بل كان مقصوداً، حيث اجتمع بهم بشكل شبه سريّ، وركّز على عدد محدود، لا كما فعل مع باقي الوفود حيث كان يدعوها علانية.
 
واستهدف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من هذا الاجتماع حثّ هؤلاء الأشخاص على القيام بنشاط في بلادهم لتهيئة الجوّ وخلق مناخ مؤيّد ومتعاطف مع الدعوة ومبادئها الجديدة في المدينة[1].
 
العقبة الأولى:
عندما حلّ موسم الحجّ في العام الثاني التقى صلى الله عليه وآله وسلم مع اثني عشر رجلاً من اليثربيّين، واجتمع بهم سراً في واد ضيّق بالعقبة بين مكّة ومنى، وهي العقبة الأولى، وقد أعلنوا فيها إيمانهم واستعدادهم للعمل على نشر الإسلام، وبايعوا رسول الله على ذلك.
 
وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معهم مصعب بن عمير من أجل أن يعلّمهم الإسلام، ويفقّههم في الدين، ويجعل منهم قوّة أكثر فاعلية ودقّة في نشر الدين الجديد في صفوف أهل المدينة، وقد نجح في ذلك وبدأت الدعوة بالانتشار في أوساط أهل يثرب[2].
 
العقبة الثانية:
وفي العام التالي أي في السنة الثالثة عشر من البعثة وبعد مرور عام كامل على بيعة العقبة الأولى عاد مصعب بن عمير إلى مكّة ومعه جمع كبير من مسلمي المدينة، خرجوا مستخفين مع حجّاج قومهم المشركين. ويبدو أن مصعباً قبل حضوره إلى مكّة، كان قد رتّب اجتماعاً بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبين مسلمي يثرب بعد انتهاء موسم الحجّ.
 
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نازلاً دار عبد المطلّب أيام الحجّ، ومعه عليّ عليه السلام والحمزة، فجاء المسلمون من الأوس والخزرج، وتواعد معهم على اللقاء أيام التشريق ليلاً، وأمرهم أن لا ينبّهوا نائماً ولا ينتظروا غائباً حتّى لا يلاحظ أحد حركتهم ويرتاب في أمرهم، فبايعوه على حمايته، وعلى أن يمنعوه وأهله ممّا يمنعون منه أنفسهم وأهليهم، وعلى أن ينصروه ويقفوا إلى جانبه في الشدّة والرخاء، كما بايعوه على السمع والطاعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن يدعوا إلى الله ولا يخافوا في الله لومة لائم. وقد سُمّيت هذه البيعة ببيعة العقبة الثانية.
 
وكانت بيعة العقبة هي الخطوة الرئيسة التي مهّد فيها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للهجرة إلى المدينة المنوّرة، وبالهجرة إلى المدينة تبدأ المرحلة الثالثة من مراحل الدعوة وهي مرحلة بناء الدولة، والدفاع عن الإسلام[3].
 
الهجرة إلى المدينة
لقد أسّس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه المرحلة قاعدة آمنة للمسلمين يمكن لهم اللجوء إليها من بطش قريش وجبروتها. وبعد مضيّ ثلاث عشرة سنة، وصل النبيّ مع قريش إلى طريق مسدود، فلم يبقَ جدوى مع هؤلاء القوم المتكبّرين، فأمر المسلمين بالهجرة إلى يثرب باعتبارها المكان الآمن في الجزيرة، حيث ورد عنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ الله عز وجل قد جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون بها.
 
فأخذ المسلمون يتوافدون إلى المدينة أفراداً وجماعات سراً وعلانية، مضحّين بوطنهم وبعلاقاتهم وكثير منهم بممتلكاتهم ومكانتهم في مجتمعهم الجاهليّ في سبيل عقيدتهم ودينهم.
 
ورأت قريش في هذه الهجرة خطراً على وجودها وعلى مستقبلها التجاريّ خاصّة أنّ تجارتها إلى الشام تمرّ عبر المدينة، فأخذت تمنع المسلمين من الهجرة وتلاحقهم وتُلحق العذاب والإرهاب بهم.
 
ولم يبق في مكّة سوى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعلي‏ عليه السلام وعدد قليل من المسلمين وبعض النساء. وانتظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإذن الإلهيّ بالهجرة، وشعرت قريش بحجم الخطر فيما لو التحق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه، فاجتمع كبراء قريش لإيجاد طريقة لمنع النبيّ من الالتحاق بالمسلمين، فاتفقوا على عملية الاغتيال التي ينفّذها كلّ بطون قريش، من أجل أن يتفرّق دمه في القبائل كلّها فلا يعود بإمكان بني هاشم أن يثأروا لدمه[4].
 
وقد تحدّث القرآن عن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾[5].
 
* من كتاب: دروس تمهيدية في سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم والأئمة المعصومين عليهم السلام - جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


[1] ابن هشام، عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص77، الشيخ الطبرسي، الفضل بن الحسن، إعلام الورى بأعلام الهدى، تحقيق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث - قم المشرفة، ربيع الأول 1417هـ، ط1، ج1، ص58.
[2] السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن ابن أبي بكر، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، بيروت - لبنان، دار الفكر، لا.ط، ج6، ص218.
[3] الشيخ الطبرسي، الفضل بن الحسن، إعلام الورى بأعلام الهدى، ج1، ص59، ابن كثير، إسماعيل بن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، ج2، ص193، ابن هشام، عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص99.
[4] الشيخ الطبرسي، الفضل بن الحسن، تفسير مجمع البيان، ج8، ص455، ابن هشام، عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص321، السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن ابن أبي بكر، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ج5، ص141.
[5] سورة الأنفال، الآية 30.

2026-08-14