يتم التحميل...

من غار حراء إلى ليلة المبيت

كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يُبعث ـ يجاور في غار حراء[1] من كلّ سنة شهراً...[2]. وقد دلّت الروايات على أنّ رسول الله كان يأخذ عليّاً معه إلى غار حراء.

عدد الزوار: 11

من غار حراء إلى ليلة المبيت

كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يُبعث ـ يجاور في غار حراء[1] من كلّ سنة شهراً...[2]. وقد دلّت الروايات على أنّ رسول الله كان يأخذ عليّاً معه إلى غار حراء. وحينما هبط ملك الوحي على النبي لأوّل مرّة وكرّمه بالرسالة كان علي بجانبه في ذلك الغار. وقد قال الإمام علي عليه السلام حول ذلك في الخطبة القاصعة: "ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري...ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته، إنّك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلاّ أنّك لست بنبي ولكنّك لوزير وإنّك لعلى خير"[3].
 
من البعثة إلى هجرته صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة:
استغرقت هذه الفترة ثلاثة عشر عاماً. وتشتمل هذه الفترة الزمنية على مجموعة كبيرة من الأعمال العظيمة والبارزة التي قدّمها الإمام عليه السلام في سبيل ازدهار ورفعة الإسلام.
 
أوّل من أسلم: إنّ أُولى مفاخر الإمام علي عليه السلام في هذه المرحلة هي سبقه في الإسلام وتقدّمه، أو بعبارة أصحّ تجاهره بالإسلام القديم، لأنّه عليه السلام كان موحّداً منذ نعومة أظفاره ولم يتلوّث بالوثنية بتاتاً[4] حتى يكون إسلامه عبارة عن الرجوع عن عبادة الأصنام كما هو الحال عند بقية الناس. و قد صرّح نبي الإسلام وقبل الكل بتقدّم علي عليه السلام وسبقه، قال هو صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه: "أوّلكم وروداً عليّ الحوض أوّلكم إسلاماً علي بن أبي طالب"[5]. ويقول الإمام عليه السلام: "ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما أرى نور الوحي والرسالة وأشمّ ريح النبوة"[6].
 
وحيّ رسول الله وخليفته: استمرّت الدعوة السريّة مدّة ثلاث سنوات، وكان الرسول يدعو فقط وفي لقاءات خاصة الشخصيات التي كان يشعر بأنّها مستعدّة للإسلام. وبعد تلك الثلاثة أعوام هبط ملك الوحي وأبلغ أمر الله تعالى بأن يبدأ الرسول دعوته العامة من خلال دعوته أهله وعشيرته، وهكذا كان أمر الله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾[7].
 
فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم علياً عليه السلام بأن يعدّ وليمة غداء ويدعو خمسة وأربعين وجيهاً من وجهاء بني هاشم إليها وأن يعد طعاماً من اللحم مع اللبن... وبعد حضورهم في الموعد المحدّد وتناول طعامهم افتتح النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلمته قائلاً: "إنّي واللّه ما أعلم أنّ شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصييّ وخليفتي فيكم؟" قال هذه الكلمة ووقف قليلاً ليرى من يُجيب دعوته، وفي هذه الفترة ساد الحضور صمت عميق ممزوج بالحيرة والدهشة ناكسين رؤوسهم، وفجأة كسر علي عليه السلام ـ ولم يتعدّ عمره 14 عاماً[8] ـ ذلك الصمت ونهض ناظراً إلى الرسول، وقال: أنا يا رسول الله أكون وزيرك عليه، ثمّ مدّ يده للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليكون ذلك عهداً للتضحيات.
 
وفي هذه الأثناء أمر الرسول علياً بالجلوس وأعاد ما قاله صلى الله عليه وآله وسلم مرّة أُخرى، وأعاد علي عليه السلام إعلانه عن استعداده مرّة أُخرى، وأمره الرسول بالجلوس أيضاً، وفي المرّة الثالثة أيضاً لم يقم كما في السابق أحد سوى علي عليه السلام. فهو الوحيد الذي كان يقوم ويعلن عن حمايته عن هدف رسول الله المقدّس، وفي هذه اللحظات ضرب بيده على يد علي وقال في حقّه وبحضور وجهاء بني هاشم المقولة الشهيرة: "هذا عليٌّ أخي ووصيّي وخليفتي فيكم"[9].
 
التضحية الكبيرة:
اجتمع المشركون سنة أربع عشرة من البعثة في دار الندوة وقرّروا قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن لم يكن قتل رسول الله بالأمر البسيط، ولهذ قرّروا أن يعدّوا من كلّ قبيلة رجلاً شابّاً حتى يهجموا على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم هجمة رجل واحد ويقطّعوه إرباً إرباً في فراشه، وفي هذه الحالة لن يكون القاتل واحداً ولن يستطيع بنو هاشم الأخذ بثاره، لأنّهم يعجزون عن محاربة جميع القبائل ويرتضون لا محالة بقبول الفدية وتنتهي المسألة. اختارت قريش لتنفيذ خطّتها الليلة الأُولى من ربيع الأوّل. وقد ذكر الله تعالى فيما بعد جميع خططهم الثلاث وقال: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾[10].
 
وإثر قرار قريش هذا أطلع ملك الوحي رسول الله على خطّة المشركين المشؤومة، وأبلغه أمر الله بأن اترك مكة واتّجه نحو يثرب. وهنا كان على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يُضلّلهم ويُخفي أثره حتى يُمكنه الخروج من مكة، ولأجل ذلك كانت هناك حاجة إلى شخصية مضحّية تبيت في فراشه صلى الله عليه وآله وسلم، كي يتصوّر المهاجمون أنّه صلى الله عليه وآله وسلم ما زال هناك، وبالتالي يركّزون على البيت ويغفلون عن الطرق ومراقبتها، ولم تكن هذه الشخصية سوى علي عليه السلام، ولهذا كشف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن خطّة قريش لعلي عليه السلام وقال: "امضِ إلى فراشي ونم في مضجعي والتف في بردي الحضرمي ليروا أنّي لم أخرج" فأطاع علي ما أمر به، وحاصر جلاوزة قريش ومرتزقتهم بيت رسول الله وداهموه بسيوف مسلولة، فنهض عليٌّ من الفراش[11].
 
وقد خلّد القرآن المجيد تضحية علي عليه السلام العظيمة هذه في التاريخ وقدمه ضمن آية على أنّه من الذين يضحّون بأنفسهم في سبيل الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾[12]. قال المفسّرون: قد نزلت هذه الآية حول التضحية العظيمة لعلي عليه السلام ليلة المبيت[13].
 
وقد احتج نفس الإمام عليه السلام في الشورى السداسية التي تشكّلت بأمر عمر لاختيار الخليفة بهذه الفضيلة الكبيرة على أصحاب الشورى وقال: "نشدتكم باللّه هل فيكم أحد اضطجع على فراش رسول حين أراد أن يسير إلى المدينة ووقاه بنفسه من المشركين حين أرادوا قتله غيري؟ قالوا: لا"[14].
 
* من كتاب: في رحاب سيرة أئمة أهل البيت عليهم السلام - جمعية المعارف الإسلاميّة الثقافية


[1] حراء جبل يقع في شمال مكة، وغار حراء يقع في قمته.
[2] ابن هشام، السيرة النبوية، ج 1، ص 252.
[3] نهج البلاغة، الخطبة: 192.
[4] الموفق الخوارزمي، المناقب، ص 18.
[5] يراجع: ابن عبد الله، الاستيعاب: ج 3، ص 28, ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 13، ص 119, الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 17.
[6] نهج البلاغة، الخطبة 192.
[7] سورة الشعراء، الآيات: 214 - 216.
[8] يراجع: ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ج 13، ص 234و 235.
[9] الطبري، تاريخ الطبري، ج 2، ص 217, ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 2، ص 63, ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 13، ص 211.
[10] سورة الأنفال، الآية: 30.
[11] ابن هشام، السيرة النبوية، ج 2، ص 124 - 128, ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 2، ص 102، 1399هـ. ق. بيروت، دار صادر, الشيخ المفيد الإرشاد، ص 30, الحاكم النيشابوري المستدرك على الصحيحين، اج 3، ص 4، بيروت، دار المعرفة, الطبري، تاريخ الأُمم والملوك، ج 2، ص 244، بيروت، دار القاموس الحديث.
[12] سورة البقرة، الآية: 207.
[13] شرح نهج البلاغة، تحقيق أبو الفضل إبراهيم، ج 1، ص 262، 1378هـ.ق, حسن المظفر، دلائل الصدق، ج 2، ص 80.
[14] الشيخ الصدوق، الخصال، تحقيق الغفاري، ج 2، ص 560، 1403هـ.ق, الشيخ الطبرسي، الاحتجاج، ج 1، ص 75، المرتضوية، النجف، 1350هـ.ق.

2026-08-14