يتم التحميل...

النبي في أبعاد علاقته بالله عز وجل

كان الرسول وما تمتّع به من مقام وشأن وعظمة، غير غافل عن عبادته، كان يبكي منتصف الليل ويدعو ويستغفر. في إحدى الليالي تفقّدت أمّ سلمة الرسول فلم تجده، ذهبت تبحث عنه لتجده مشغولًا بالدعاء حيث كانت الدموع تنهمر من عينيه وهو يستغفر ويقول: "اللهم ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين"

عدد الزوار: 89

النبي في أبعاد علاقته بالله عز وجل

العبوديّة لله:

كان الرسول وما تمتّع به من مقام وشأن وعظمة، غير غافل عن عبادته، كان يبكي منتصف الليل ويدعو ويستغفر. في إحدى الليالي تفقّدت أمّ سلمة الرسول فلم تجده، ذهبت تبحث عنه لتجده مشغولًا بالدعاء حيث كانت الدموع تنهمر من عينيه وهو يستغفر ويقول: "اللهم ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين"[1]. بكت أمّ سلمة فتوجّه الرسول إليها وسألها عن سبب وجودها، فتوجّهت إليه قائلة: يا رسول الله، أنت عزيزٌ عند الله وذنوبك مغفورة ـ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾[2]. فلماذا تبكي ولماذا تردّد: اللهم ولا تكلني إلى نفسي؟ قال: "وما يؤمنني"؟4، مَن الذي يحفظني إذا غفلت عن الله؟ هذا درسٌ لنا. إن ّالدرس الكبير الذي علّمنا إيّاه الرسول هو عدم نسيان الله، والاعتماد على الله، والطلب منه في يوم العزة، وفي يوم الذلّة، وفي اليوم الصعب وفي يوم الراحة وفي اليوم الذي يحاصر فيه العدوّ الإنسان، وفي اليوم الذي يُفْرَض فيه العدوّ - بكلّ عظمته - على الإنسان وعلى وجوده[3].
 
تتجلّى قيمة والد فاطمة عند الله في العبوديّة مع الإشارة إلى أنّ فاطمة هي مبدأ ومنبع فضائل كافّة المعصومين، حيث إنّها وأمير المؤمنين قطراتٌ من بحر وجود الرسول. "أشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله"، في البداية كانت عبوديّته ثمّ رسالته، وفي الأساس (إنّما) أُعطي مقام الرسالة له - وهو مقامٌ شامخ - بسبب العبوديّة[4].
 
العبادة والاستغفار:
جاء حول الصلوات المقرّرة في المفاتيح: "الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدأب في صيامه وقيامه في لياليه وأيامه بخوعًا لك في إكرامه وإعظامه إلى محلّ حِمامه"[5]، كان الرسول يعظّم شهر شعبان حتّى آخر حياته، ويخضع أمامه وقد عوّد نفسه على الصيام والقيام في شهر شعبان. جاء في العبارات التي تلت المقدمة: "اللهم فأعِنَّا على الاستنان بسنّته فيه"[6].


كانت عبادته، عبادة مَن تتورَّم قدماه من الوقوف في المحراب. كان يقضي جزءًا طويلًا من الليل صاحيًا ومشغولًا بالعبادة والتضرّع والبكاء والاستغفار والدعاء. كان يناجي الله ويستغفره. وفي غير شهر رمضان كان يصوم يومًا من كلّ يومين في شهري شعبان ورجب وفي باقي أيام العام... رغم ذلك الطقس الحار. وكان الأصحاب يتوجّهون إليه: لماذا كلّ هذا الدعاء والعبادة والاستغفار وأنتَ لا ذنب لك، حيث جاء في سورة الفتح: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾[7]؟! وكان يجيب: "أفلا أكونُ عبدًا شكورًا"[8]، أفلا أكون عبدًا شكورًا وقد أنعم الله عليَّ كلّ هذه النِّعم؟[9]
 
ذكر الله دائمًا:
كان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم مع تلك القوّة الملكوتيّة، دائم الذكر والتوجّه والتوسّل إلى الله تعالى[10].
 
نُقِل عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "ألا أدلّكم على سلاح ينجيكم من أعدائكم، تدعون ربّكم بالليل والنهار فإنّ سلاح المؤمن الدعاء"[11]. لذلك كان رسول الإسلام المكرَّم يقوم بكافّة الأعمال الضروريّة في ساحة الحرب، كان ينظِّم الجنود ويضع كلّ منهم في مكانه ويقدّم لهم الإمكانيّات اللازمة ويوصيهم بما يجب، ويشرف عليهم إشراف القائد على جنوده، ولكنّه كان في الوقت عينه، يركع على الأرض ويرفع يديه للدعاء والتضرّع ومناجاة الله تعالى ليطلبَ منه ما يريد[12].
 
الاعتماد على الله:
كان رسولنا الكريم... لا يأخذ بعين الاعتبار عندما يتضرّع إلى الله تعالى ويطلب العون منه في الأوقات الصعبة، أنّ ذلك قد يترك أثرًا في أذهان المخاطَبين والناظرين (والحاظرين)، فيفهموا عجزه. بل كان يشير بصراحة: أنا عاجزٌ ولا يمكنني الإتيان بعملٍ دون مساعدة من الله تعالى. أثناء معركة الأحزاب، عندما حاصر الأعداء المدينة والرسول والمؤمنين، من جهات عدّة، حيث كانوا يريدون القضاء بالكامل على الإسلام والقرآن والرسالة الجديدة، كان الرسول في تلك الحالة ينظّم الجنود ويتّخذ تدابير دقيقة، ويحرّض الناس على المقاومة، وكان بالإضافة إلى ذلك يجثو على ركبتيه، وقد تكرّر هذا المشهد وذكرته كتب السيرة، حيث كان يرفع يديه يتضرّع ويبكي ويناجي الله ويطلب العون والنصر والتوفيق منه تعالى[13].
 
عدم الخوف من أحد غير الله:
كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذاكرًا لله في كافّة الحالات وكان يطلب المدد منه في جميع الساحات، كان يطلب من الله ولم يخَف أحدًا سواه. ويكمن السرّ الأساسي لعبوديّة الرسول أمام الله تعالى في أنّه لم يحسب أيّ حساب لأيّ قوّة في مقابل الله، ولم تكن علاقته به علاقة واهم، ولم يقطع سبيل الله بسبب أهواء الآخرين. يجب أن يتحوّل مجتمعنا إلى مجتمعٍ إسلامي من خلال الدرس الذي يتعلّمه من الأخلاق النبويّة[14].
 
* من كتاب: الشخصية القياديّة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلّم - جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


[1] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 16، الباب 9، مكارم أخلاقه وسيرته وسنّته.
[2] سورة الفتح، الآية 2.
[3] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 16، الباب 9، مكارم أخلاقه وسيرته وسنّته.
[4] خطبتي صلاة الجمعة في طهران (5/7/1370)(27/9/1991).
[5] من كلام له في لقاء منشدي أهل البيت (5/5/1384)(27/7/2005).
[6]  الحر العاملي، الشيخ محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، الطبعة الثانية، 1414هـ.ق، المطبعة مهر ـ قم ـ إيران، ج 10، ص 492، باب استجابة صوم شعبان.
[7] م. ن.
[8] سورة الفتح، الآية 2.
[9]  الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 6، ص 191.
[10] من كلام له في لقاء أهالي قم (19/10/1371)(9/1/1993).
[11]  الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، ج 2، ص 468، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، طهران، دار الكتب الإسلامية، مطبعة حيدري، 1365هـ.ش.، ط2.
[12] خطبتا صلاة الجمعة في طهران (23/2/1379)(12/5/2000).
[13] خطبتا صلاة الجمعة في طهران (29/7/1384)(21/10/2005).
[14] خطبتا صلاة الجمعة في طهران (5/7/1370)(27/9/1991).

2026-08-07