موقع النصر في القتال والمواجهة المسلّحة
يميّز الفقهاء بين مفهومين للقتال في سبيل الله، أحدهما الجهاد والآخر الدفاع. ويختلف أحد هذين المفهومين عن الآخر في المفهوم كما في بعض الأحكام. وهدفنا الأساس هنا هو البحث عن موقع النصر في حسابات الإقدام على حمل السلاح ومواجهة العدوّ، ولكن لا بأس من بيان المفهومين لنبيّن موقع النصر من كلٍّ منهما.
عدد الزوار: 14موقع النصر في القتال والمواجهة المسلّحة
يميّز الفقهاء بين مفهومين للقتال في سبيل الله، أحدهما الجهاد والآخر الدفاع. ويختلف أحد هذين المفهومين عن الآخر في المفهوم كما في بعض الأحكام. وهدفنا الأساس هنا هو البحث عن موقع النصر في حسابات الإقدام على حمل السلاح ومواجهة العدوّ، ولكن لا بأس من بيان المفهومين لنبيّن موقع النصر من كلٍّ منهما.
موقع النصر في الجهاد
وأمّا الجهاد فهو مصطلح يقصد به عند بعض الفقهاء الشروع في القتال، من دون أن يكون ذلك بالضرورة ردًّا على هجوم العدوّ على بلاد المسلمين وتعرّضه لقتالهم. ويبدو من كلام بعض الفقهاء أنّ هذا النوع من الجهاد هو المقصود عندما يُبحث عن الجهاد في الكتب الفقهيّة. وبالرجوع إلى كتب الفقه الإسلاميّ نجد أنّ فقهاء المسلمين يختلفون فيما بينهم في اشتراط إحراز النصر قبل الشروع في القتال. فمنهم من يرى أنّ إحراز النصر ليس ضروريًّا بل يمكن البدء بالقتال مهما اختلفت موازين القوى بين المسلمين وأعدائهم. ومن هؤلاء الشيخ الطوسي الذي يقول: "وإذا كان في المسلمين قلّة وضعفٌ وفي المشركين كثرةٌ وقوّة، فالأولى أن يؤخّر الجهاد ويتأنّى حتّى يحصل للمسلمين قوّة. فإذا اشتدّت شوكة المسلمين وعلم شوكتهم لا يجوز أن يؤخّر القتال..."[1] وتفيد هذه العبارة من الشيخ الطوسي أنّ الحرب ليست هوايةً ومغامرة، بل يجب أن تُخاض من أجل أهداف نبيلة، فإذا كانت النصر غير محرز فلا ينبغي لقائد المسلمين أن يغامر بجنده وأمّته ويدخلهم في حربٍ لا فائدة تُرجى منها.
موقع النصر في الدفاع
الدفاع في الفقه الإسلاميّ هو: القتال الذي يحصل كردٍّ فعلٍ على هجوم يصدر عن العدوّ على المسلمين أو على بلادهم. ويتنازل الفقهاء في هذا الصنف من الجهاد عن كثير من الشروط التي يذكرونها في الصنف السابق. مثلًا يشترط عدد من الفقهاء حضور الإمام وإذنه في الصنف السابق، ولكنّهم في هذا الصنف يتنازلون عن عدد من هذه الشروط. يقول الشيخ الطوسي في هذا المجال: "والجهاد مع أئمّة الجور... خطأٌ يستحقّ فاعله به الإثم وإن أصاب لم يؤجر عليه، وإن أصيب كان مأثومًا، اللهم إلا أن يدهم المسلمين أمرٌ من قبل العدوّ يُخاف منه على بيضة الإسلام ويُخشى بواره، أو يُخاف على قوم منهم، وجب حينئذٍ أيضًا جهادهم ودفاعهم غير أنّه يقصد المجاهد والحال ما وصفناه الدفاع عن نفسه وعن حوزة الإسلام وعن المؤمنين، ولا يقصد الجهاد مع الإمام الجائر..."[2] ، وتظهر هذه العبارة المنقولة عن الشيخ الطوسي أنّه لا يشترط الوثوق بالنصر في خوض المعارك الدفاعيّة.
شبهة أن الإسلام دين حرب
وفي ختام هذا البحث تجدر الإشارة إلى أمر مهمٍّ وهو أنّ المستشرقين يعترضون على الإسلام بأنّه دين حربٍ وقتال، وذلك بالاستناد إلى مفهوم الجهاد الابتدائيّ. وفي الردّ على هذه الشبهة نشير إلى ملاحظات سريعة ونترك التفصيل تجنّبًا للتطويل في غير محلّه.
أ- إن قسمًا كبيرًا من المعارك التي خاضها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هي حروب دفاعيّة.
ب- الحروب التي ظاهرها أنّها ابتدائيّة هي في واقعها من أجل الدفاع عن حقوق الشعوب التي كان يمنع فيها الناس من الاطلاع على الإسلام، وبالتالي هي معارك تهدف إلى فتح النوافذ على الإسلام وليس إلى فتح البلدان والأراضي.
ج- إنّ العلاقات الدولية بين الدول والشعوب تغيّرت في هذا العصر وتبدّلت وبالتالي فإنّ عددًا من الأحكام لا يطبق في هذا العصر بالطريقة التي كان يطبّق فيها.
د- إن مفهوم المقاومة في حدّ نفسه يحمل في داخله مفهوم الدفاع، فهذا المفهوم يتضمّن من حيث المعنى معنيين بالحدّ الأدنى: المقاومة لصدّ العدوان، والمقاومة لاستعادة الأرض والتحرير.
* من كتاب: النصر الإلهي، سنن النصر في القرآن الكريم - جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
[1] الشيخ محمد بن الحسن الطوسي، المبسوط، ج 2، ص 2.
[2] الشيخ محمد بن الحسن الطوسي، النهاية ونكتها، مع تعليقات العلامة الحليّ، ج 2، ص 3.


