يتم التحميل...

ما هي معاني النصر في القرآن الكريم؟

أهمّ هذه المعاني التي وردت في القرآن لكلمة نصر ما يأتي:

عدد الزوار: 22

ما هي معاني النصر في القرآن الكريم؟

أهمّ هذه المعاني التي وردت في القرآن لكلمة نصر ما يأتي:

1- الحماية والدفع: استُخدِمت مادّة نصر في القرآن الكريم في هذا المعنى مرّاتٍ عدة، في أكثر من سياقٍ ربّما كان أكثرها في سياق تهديد الكافرين أو العاصين بعدم قدرة أحدٍ على حمايتهم من عذاب الله إذا نزل بهم. وأمثلة ذلك في القرآن كثير، منها:

أ- نفي الحماية من عذاب الآخرة: ورد هذا المعنى في عدد من آيات القرآن يخبرنا الله فيها عن حتميّة عذاب الآخرة لمستحقّيه، وعجز أيّ قدرة أو جهة عن التدخّل للتخفيف من هذا العذاب أو دفعه عمّن يستحقّه، ولا إمكان تبديله بغيره إن لم يرد الله تعالى ذلك، وهذا كما في قوله عزّ وجلّ في وصف يوم القيامة: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾[1]. ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾[2].
 
ب- نفي القدرة الذاتيّة على دفع العذاب: ورد في قصّة النبيّ نوح عليه السلام أنّ قومه طلبوا منه إبعاد بعض المقرّبين من المؤمنين به، بحجّة أنّهم أراذل القوم[3]، فردّ عليهم بمطالبتهم بحمايته من آثار هذا الطرد ودفع العذاب الإلهيّ عنه إن طرد هؤلاء المؤمنين المحيطين: ﴿وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾[4]. ومعنى هذه الآية هو نفي وبيان عجز أيّ قدرة على حماية النبيّ نوحٍ من عذاب الله ودفعه عنه إن هو خالف إرادة الله واستجاب طلب الكفّار الذين كانوا يأنفون من مجالسة فقراء القوم وضعفائهم، وبعبارة أخرى هو استفهام في معنى النفي[5]. والموقف النبويّ الحاسم نفسه يتكرّر من النبيّ صالح عليه السلام في الردّ على قومه عندما أعلنوا سأمهم من إصرارهم على دعوته وترغيبه في الميل إلى دينهم[6].
 
2- الانتقام: استُخدمت مادّة "نصر" في هذا المعنى في آيات عدّة من القرآن الكريم منها قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾[7]. وقد وردت هذه الآية في سياق الحديث عن الشعراء الذين كانوا يهجون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فواجههم المسلمون بالسلاح نفسه وانتصروا لرسولهم ولأنفسهم[8]. ومن أمثلة استعمال هذه المادّة في هذا المعنى أي الانتقام قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾[9].
 
3- العون والمساعدة: من المعاني الأساسيّة لمادّة "نصر" العون والمساعدة. وقد نصّ عدد من علماء اللغة على هذا المعنى عندما تعرّضوا لهذه الكلمة في معاجمهم. وقد تقدّم بعض ذلك. ونزيد الأمر وضوحًا هنا، فنشير إلى عدد من أقوال اللغويّين، منهم مثلًا، يقول ابن منظور: "النصر: إعانة المظلوم، نصره على عدوّه ينصره ونصره ينصر نصرًا... والاسم النُّصرة... والأنصار أنصار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم غلبت عليهم الصفة فجرى مجرى الأسماء... وتناصروا: نصر بعضهم بعضًا"[10].
 
وتوقّف بعض علماء اللغة عند قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾[11] ويجعلها أحد الشواهد على استخدام هذه المادة في هذا المعنى فيقول: "قوله: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ﴾ ويعينه في الدنيا والآخرة ويغيظه أن يظفر بمطلوبه..."[12]. وإذا رجعنا إلى القرآن الكريم لإحصاء المعاني التي تستخدم فيها هذه المادّة نجد أنّ القسم الأكبر من موارد استخدامها هو استخدامها في هذا المعنى، وهاك بعض النماذج التي تؤيّد هذه الدعوى:
 
قال الله تعالى:
﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ﴾[13].
 
﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾[14].
 
﴿وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾[15].
 
﴿جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّه﴾[16].
 
وغير هذه الآيات كثير يكشف عن استخدام هذه الكلمة في هذا المعنى أي معنى المساعدة والعون. وفي إحصاء نتجنّب وصفه بالدقيق تبيّن أنّ هذه الكلمة استُخدمت ما يقرب من مئة وخمسين مرّة في القرآن الكريم ربّما كان أكثر من نصفها دالًّا على هذا المعنى الأخير. وفي عدد كبير من الموارد الباقية هو الاحتمال الأرجح. وقبل الانتقال إلى النقطة اللاحقة لا بأس من الإشارة إلى الفرق بين النصر ومشتقّاته وبين العون. ونستند في هذا التمييز إلى ما قاله أبو هلال العسكري: 

الفرق بين النصرة والإعانة: أن النصرة لا تكون إلا على المنازع المغالب والخصم المناوئ المشاغب، والإعانة تكون على ذلك وعلى غيره، تقول أعانه على من غالبه ونازعه ونصره عليه وأعانه على فقره إذا أعطاه ما يعينه وأعانه على الأحمال. ولا يقال نصره على ذلك فالإعانة عامة والنصرة خاصة. والفرق بين النصر والمعونة: "النصر: يختص بالمعونة على الأعداء. والمعونة: عامة في كل شيء. فكل نصر معونة ولا ينعكس..."[17].
 
4- الغلبة والظفر: رابع المعاني التي تُستخدم فيها كلمة "نصر" ومشتقّاتها التغلّب على العدوّ والظفر عليه. وهذا المعنى الأخير هو المعنى الذي يتبادر إلى الذهن عندما تُسمع كلمة "نصر" ومشتقّاتها في هذا العصر بين أهل العربية. وربّما يفهم هذا المعنى من بعض الآيات في القرآن الكريم التي وردت فيها كلمة نصر. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ﴾[18]، ويكشف تتبّع كلمات المفسّرين عن أنّهم يرون أنّ هذه الكلمة تدلّ على هذا المعنى الأخير. يقول السيد الطباطبائي في شرح الآية المشار إليها أعلاه: "بيان انحصار حقيقة النصر فيه تعالى، وأنّه لو كان بكثرة العدد والقوّة والشوكة كانت الدائرة يومئذ للمشركين بما لهم من الكثرة والقوّة على المسلمين على ما بهم من القلّة والضعف"[19]. ويقول مفسّرٌ آخر: "ولمّا كان ذلك فهمنا أنّ النصر ليس إلا بيده، وأنّ شيئًا من الإمداد أو غيره لا يوجب النصر بذاته"[20].
 
المعنى الأساس لكلمة النصر
في ختام الحديث عن المعنى اللغوي لكلمة نصر ثمّة تساؤلٌ يستحقّ أن يطرح مع محاولة الجواب عنه وهو أنّه هل يمكن ردّ بعض هذه المعاني إلى بعضها الآخر؟ وهل يصحّ افتراض أنّ المعنى الأصليّ لمادّة "نصر" هو الإعانة على العدوّ بالحدّ الأدنى؟
 
يبدو من خلال التأمّل في موارد استعمال هذه الكلمة في القرآن الكريم، بالحدّ الأدنى، أنّ الأصل فيها هو العون لتحقيق هدفٍ والوصول إلى غايةٍ ولو في حالة المغالبة والخصام، فإذا تحقّقت هذه الغاية وأثمرت النصرة والمساعدة ثمرتهما قيل عن هذه الحالة الجديدة التي تترتّب عليهما نصرًا بدل أن يُقال غلبة أو ظفرًا أو ما شابههما من الكلمات التي تفيد هذا المعنى.
 
يميّز بعض علماء اللغة بين مصطلحين هما: المصدر واسم المصدر. فيعرّفون الأوّل بأنّه ما دلّ على الحدث مجرّدًا عن الزمان. وتوضيح ذلك أنّ الفعل يدلّ على حصول الحدث في زمنٍ محدّدٍ كالماضي أو الحاضر أو المستقبل. ومثاله في ما نحن فيه: نَصَرَ (ماضٍ)، ينصرُ (حاضر)، انصرْ (مستقبل). هذا بحسب المعنى وأمّا بحسب اللفظ فيشترطون في المصدر أن تتوفّر فيه حروف الفعل ولا يُحذف منها شيءٌ دون التعويض عنه. وأمّا إذا حُذِفت بعض الحروف ودلّت الكلمة على الحديث فتكون اسم مصدرٍ. مثل: توضّأ ووضوء (اسم مصدر).
 
وعلى هذا يتّحد المصدر واسمه في المعنى ويختلفان في عدد الحروف فحسب[21]. هذا ولكن ثمّة من يميّز بين الأمرين بأنّ المصدر يدلّ على الحدث وأمّا اسم المصدر فإنّه يدلّ على نتيجة الحدث والفعل. وفي ما نحن فيه فإنّ الإعانة والمدد يؤدِّيان إلى نتيجة هي الفوز، فنفس عمليّة الإعانة تُسمّى نصرًا ونصرةً فهي مصدرٌ. وأما النتيجة التي تفضي إليها هذه الإعانة فهي النصر بما هو نتيجة وأثرٌ ويُسمّى اسم مصدرٍ[22].
 
* من كتاب: النصر الإلهي، سنن النصر في القرآن الكريم - جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


[1]  سورة الدخان، الآية 41.
[2] سورة الطور، الآية 46.
[3] انظر: سورة هود، الآية 27.
[4] سورة هود، الآية 30.
[5] للاطلاع على كلام المفسّرين على هذه الآية انظر: السيد محمد حسن الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 10، ص 208، الشيخ الطبرسي، مجمع البيان، ج 5، ص 266.
[6] ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ (سورة هود: الآية 63).
[7] سورة الشعراء، الآية 227.
[8] انظر: مجمع البيان، ج 7، ص 360.
[9] سورة الشورى، الآية 41.
[10] لسان العرب، ج 5، ص 210، مادّة: "نصر". ويشبهه قول أبي بكر الرازي، مختصر الصحاح، ص 239.
[11] سورة الحجّ، الآية 15.
[12] فخر الدين الطريحي، مجمع البحرين، ج 3، ص 494.
[13] سورة التوبة، الآية 40.
[14] سورة الصافات، الآية 116.
[15] سورة الحشر، الآية 12.
[16] سورة آل عمران، الآية 81.
[17] أبو هلال العسكري، الفروق اللغويّة، ص 540.
[18] سورة الأنفال، الآية 10.
[19] الميزان في تفسير القرآن، ج 9، ص 21، وانظر أيضًا: المصدر نفسه، ج 4، ص 9.
[20] البقاعي، نظم الدرر في تفسير الآيات والسور، نقلًا عن برنامج المكتبة الشاملة الإلكتروني.
[21] انظر مثلًا: ابن عقيل، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، ج 2، ص 98.
[22] هذا وقد يخالف كثير من علماء النحو واللغة العربية في هذا الأمر. وزيادة التدقيق في هذا المبحث تحتاج إلى بحثٍ تخصّصيّ ليس هذا محلّه. للمزيد انظر: عباس حسن، النحو الوافي، ط 4، دار المعارف، مصر، لا تاريخ، ج 3، ص 208، مصطفى جمال الدين، البحث النحوي عند الأصوليّين، ط 2، دار الهجرة، قم، 1405 هـ.ق.، ص 98-114.

2026-04-10