يتم التحميل...

النفس بين المعرفة والمجاهدة والمحاسبة

إنّ الدين الفطري يعتبر أمر عرفان النفس أمراً ضرورياً يتوصّل به إلى السعادة الإنسانية التي يدعو إليها، وهي معرفة الإلَه التي هي المطلوب الأخير عنده . وبعبارة أخرى:

عدد الزوار: 19

النفس بين المعرفة والمجاهدة والمحاسبة

إنّ الدين الفطري يعتبر أمر عرفان النفس أمراً ضرورياً يتوصّل به إلى السعادة الإنسانية التي يدعو إليها، وهي معرفة الإلَه التي هي المطلوب الأخير عنده . وبعبارة أخرى: الدين الإسلامي إنّما يدعو إلى عرفان النفس دعوة طريقية، ومعرفة النفس لها العلاقة المباشرة بالتوحيد الذي هو أصل الأصول، فكلّما غاص الإنسان وتعمّق في معرفة نفسه ونقصها، فإنّه سيترقّى في سلّم معرفة ربّه وكماله المطلق، وسيكون حينها قابلاً لأن يعرف الله أكثر فأكثر. "وما ترونه ونراه من كثرة غرور الإنسان يرجع إلى كونه لم يعرف نفسه، فإنّ "من عرف نفسه فقد عرف ربّه"[1].
 
إنّ هذه الكلمة "من عرف نفسه، فقد عرف ربّه"[2]، وقوله عليه السلام: "من عجز عن معرفة نفسه، فهو عن معرفة خالقه أعجز"[3]، كلمات قد خرجت من الإمام علي عليه السلام مخرج التأديب والحث على جماع مكارم - الأخلاق واقتناء الفضائل، وذلك أنّ الإنسان إذا عرف نفسه بكثرة عيوبها ونقصانها وحاجتها إلى التكميل كان ذلك داعياً له على إصلاح قوّتيه العملية والنظرية ثم إنّه نبّه على وجوب معرفة النفس بعد ذكرها بأنّها أقرب قريب إلى الإنسان بحيث يحتاج في معرفتها إلى طلب زائد هي وسيلة إلى الغاية المطلوبة للكلّ الواجبة على الإطلاق وهي معرفة - الصانع. وهذا شأن المؤدِّب الحاذق أنْ يُعين مطلوبه أولاً لمن يؤدّبه عليه ثم يُنبّهه على حسنه ووجه وجوبه عليه، وليس مقصوده الأول ههنا هو التنبيه على وجوب معرفة الله، ولو أنّه قدّم معرفة الله تعالى لفات الغرض المذكور من الكلمة، ولما بقى ذلك الذوق لها، ولما كان ذلك حثّاً للإنسان على الاطلاع على عيب نفسه، وأنت بعد مخض هذه الكلمة في سقاء ذهنك وإرسال الرائد الفكري في جميع مفهوماتها ستجمع لك زبدتها، والله ولي هدايتنا[4].
 
معرفة النفس مقدّمة لمحاسبتها
روى مولانا الإمام المجتبى الحسن بن علي عليهما السلام عن جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا يكون العبد مؤمناً حتى يُحاسب نفسه أشدّ من محاسبة الشريك شريكه، والسيد عبده"[5].
 
هناك سؤال قد يخطر على بال أي متتبّع لهذا الموضوع، وهو: كيف نقوم بمحاسبة من لا نعرفه؟ ولا نعرف إمكاناته وتجهيزاته وخططه! ولكي أُحاسب النفس يجب أن تكون معلومة لي.
 
والحقيقة أنّ هذا الحديث الشريف وكلّ منظومة أحاديث النبي الأكرم والأئمة من أهل بيته عليهم السلام التي تحضّ على محاسبة النفس، ومجاهدتها، وتُبيّن المعايير التي يتوجّب استخدامها لإجراء هذه المحاسبة، والآليات التي وضعها المعصومون عليهم السلام لذلك، تؤكّد أنّ معرفة النفس أمر ممكن ومتيسّر، بدليل أمر المعصوم بمحاسبة النفس ومجاهدتها، فإنّ المعصومين عليهم السلام وعلى سنّة من الله تعالى لا يُكلّفون إلا بالمقدور عليه: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾[6]. والدليل الآخر هو: التحليل الذي استخدمناه الآن، ولكن يبقى السؤال الأساس: كيف أستطيع أن أتعرّف على نفسي؟ كي أُحاسبها وأُجاهدها، وأيّ شيء فيها أستطيع أنْ أُحاسبه وأُجاهده، وأُغيّره؟
 
كلٌّ منّا لديه تصوّر معيّن عن أهمّية هذا الموضوع والطرق المؤدّية إليه، ولكن المعلومات العامّة المنتشرة بهذا الصدد، لا تخضع عادة لقواعد منهجية محدّدة، ممّا أدى إلى دخول اجتهادات شخصية كثيرة دون أن تستند إلى ركائز علمية موضوعية، أو بدون الاستناد إلى نظرية علمية معيّنة، ممّا أدّى إلى ضياع حقيقي وفي اتجاهات شتّى لدى الأفراد الذين تأثّروا بتلك الاجتهادات التي لا ركائز لها.
 
الفكر ينير اللب[7]
إنّ من عناوين معرفة النفس الشائعة التي لا خلاف عليها هي معرفة مواطن قواها وكيفية الوصول إلى هذه القوى، وهذه المعرفة ليست للاطلاع النظري أو للترف الفكري، بل هي علم يجب أن يقترن بالعمل الواعي، والهادف لسبر أغوار النفس، ومن ثم معرفة نقاط الضعف، وتحديد أسبابها، واكتساب الخبرات اللازمة للتخلّص منها.
 
قال مولانا الإمام المجتبى عليه السلام: "عجب لمن يتفكّر في مأكوله . كيف لا يتفكّر في معقوله، فيُجنّب بطنه ما يؤذيه، ويودع صدره ما يُرديه"[8]. هذا كلامه عليه السلام بعين لفظه، فأمعِن النظر فيه تجده كنزاً لا يُقدّر بثمن، ودعوة لا نظير لها على طول الزمن وجّهها سبط المصطفى إمامنا الحسن.
 
وقال أبو الحسن أمير المؤمنين عليه السلام: "أصل العقل الفكر، وثمرته السلامة"[9].
 
للعلم والبيان إنّ أحد أهمّ الأصول العظيمة التي يتوصّل بها إلى معرفة النفس لم يُعطَ الأهمّية الكافية في التأمّل والبحث، ولم يُستفاد منه تمام الفائدة مع أنّه يُقدّم كلّ الحلول، ويوضح كلّ ما أبهم في هذا الشأن، وهذا الأصل هو قول سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام: "العقول أئمّة الأفكار، والأفكار أئمّة القلوب، والقلوب أئمّة الحواسّ، والحواسّ أئمّة الأعضاء"[10].
 
* من كتاب: المهتدون - جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


[1] الإمام السيد روح الله الموسوي الخميني قدس سره، البسملة، ص18، تحت عنوان الصور الأخرى للأعمال.
[2] الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام، راجع شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد المدائني، ج20، ص 292.
[3] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج20، ص 292.
[4] كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني، شرح مئة كلمة لأمير المؤمنين، ج1، ص58، طبعة جماعة المدرسين.
[5] الحُر العاملي، وسائل الشيعة، ج16، ص99، الطبعة 1: مؤسسة آل البيت، قم.
[6] سورة البقرة، الآية 286.
[7] الآمدي، غرر الحكم و درر الكلم، الفصل الخامس في الفكر، رقم 536.
[8] قطب الدين الرواندي سعيد بن هبة الله، الدعوات "سلوة الحزين"، ص 144، رقم 375.
[9] الآمدي، غرر الحكم، ص 52، أفضل العقل وكماله، الحكمة 404.
[10] محمد بن علي الكراجكي، كنز الفوائد، ج1، ص 200، الطبعة 1: دار الذخائر، قم.

2026-05-17