يتم التحميل...

أخلاقيات الإنسان العامل وروح التضحية

الاتصال بالله تعالى يجعل الإنسان قادراً على أن يدعو ويترقّب من الله الاستجابة، أمّا إذا كان نسي الله تعالى أيّام رخائه، وقد ترك الله ودينه ومِحنته ومشاكل رسالته، وكان يفكّر في نفسه لا في الله... حينئذٍ كيف يمكن أن يرجو هذا الإنسان حينما يقع في مِحنةٍ أن يمدّ يده إلى السماء فيستجيب الله دعاءه؟ ولماذا يستجيب الله دعاءه؟! لماذا يستمع إلى لسان لم يلهج بذكر الله؟! وإلى يدين لم تتحرّكا في طاعة الله؟ وإلى قلبٍ لم ينبض بالحبّ لله تعالى؟

عدد الزوار: 20

أخلاقيات الإنسان العامل وروح التضحية

الاتصال بالله تعالى يجعل الإنسان قادراً على أن يدعو ويترقّب من الله الاستجابة، أمّا إذا كان نسي الله تعالى أيّام رخائه، وقد ترك الله ودينه ومِحنته ومشاكل رسالته، وكان يفكّر في نفسه لا في الله... حينئذٍ كيف يمكن أن يرجو هذا الإنسان حينما يقع في مِحنةٍ أن يمدّ يده إلى السماء فيستجيب الله دعاءه؟ ولماذا يستجيب الله دعاءه؟! لماذا يستمع إلى لسان لم يلهج بذكر الله؟! وإلى يدين لم تتحرّكا في طاعة الله؟ وإلى قلبٍ لم ينبض بالحبّ لله تعالى؟

نحن لا يمكننا أن نترقّب استجابة الدعاء إلا إذا كنّا نعيش حالة الاتصال بالله وكنّا قد عبّأنا وجودنا وقِوانا بالله سبحانه وتعالى، وحينئذٍ يمكن أن نطلب من الله سبحانه وتعالى الإمداد والمعونة والتغلّب على كلّ المشاكل والمِحن.

ما هي أخلاقيّة الإنسان العامل؟

هناك مظاهر أساسيّة للأخلاقيّة التي كنّا نعيشها، وهذه المظاهر هي أبعد ما تكون عن أخلاقيّة الإنسان العامل الذي يريد أن يحمل رسالة الله. هذه الأخلاقيّة لا بدّ لنا من أن نطوّرها في نفوسنا، لا بدّ لنا من أن نغيّر هذه الأخلاقيّة ونفتح بالتدريج أخلاقيّة الإنسان العامل لكي نهيّئ الأرضيّة النفسيّة التي يقام على أساسها العمل الصحيح.

أ- روح التضحية والإيثار بالمصالح الخاصّة
الأخلاقيّة التي كنّا نعيشها من نقاطها الرئيسيّة الارتباط بالمصلحة الشخصيّة بدلاً عن الاستعداد للتضحية. نحن بحاجةٍ إلى أخلاقيّة التضحية بدلاً عن أخلاقيّة المصلحة الشخصيّة، بحاجةٍ إلى أن نكون على استعدادٍ لإيثار المصلحة العامّة للكيان على المصلحة الخاصّة لهذا الفرد أو لذاك الفرد، نحن لا بدّ لنا من أخلاقيّة التضحية بالمصالح الخاصّة في سبيل المصالح العامّة، أمّا ما كان موجوداً فهو على الغالب إيثار للمصلحة الخاصّة على المصلحة العامّة. كنّا نعيش لمصالحنا وكنّا لا نعيش للمصلحة العامّة حينما تتعارض مع مصالحنا الخاصّة.

وهذه النزعة الأخلاقيّة (النزعة الأخلاقيّة التي تتّجه نحو المصلحة الخاصّة لا نحو المصلحة العامّة) تجعل القدر الأكبر من طاقتنا وقِوانا وإمكانيّاتنا في سبيل تدعيم المصالح الخاصّة أو في سبيل الدفاع عنها.

حينما تتوجّه الاتجاهات من المصلحة العامّة إلى المصلحة الخاصّة، سوف يضطرّ كلّ إنسانٍ يعيش في جوٍّ عامرٍ بهذا الاتجاه، سوف يضطرّ كلّ إنسان منهم إلى التفكير في نفسه، وإلى الدفاع عن نفسه، وإلى تثبيت نفسه، وبذلك نصرف ثمانين بالمائة من قِوانا وطاقتنا بالمعارك داخل هذا الإطار، بينما هذه الثمانين بالمائة من القوى والطاقات التي تصرف في معارك داخل هذا الإطار كان بالإمكان ـ لو أنّنا نتحلّى بأخلاقيّة الإنسان العامل، أعني بأخلاقيّة التضحية بالمصلحة الخاصّة في سبيل المصلحة العامّة ـ أن نحوّل هذه الثمانين بالمائة للعمل في سبيل الله بتدعيم الإطار ككلّ، وترسيخه، وتكديسه وتوسيعه. وبذلك ـ لو كنّا نعقل ـ لكنّا نستفيد أيضاً حتّى بحساب المقاييس العاجلة أكثر مما نستفيد ونحن نتنازع ونختلف داخل إطارٍ معرّضٍ لخطر التمزّق، داخل إطارٍ مهدّدٍ بالفناء.

إلى متى نحن نعيش المعركة داخل إطارٍ يُحكم عليه بالفناء يوماً بعد يومٍ، ولا نفكّر في نفس الإطار، ولا نفكّر في أن نتناسى مصالحنا الصغيرة في سبيل المصلحة الكبيرة؟

أخلاقيّة الإنسان العامل أو شروطها هو أن يكون عند الإنسان شعورٌ واستعدادٌ للتضحية بالمصالح الصغيرة في سبيل المصلحة الكبيرة، وهذا ما لا بدّ لنا من ترويض أنفسنا عليه.

ب- نزعة التجديد في أساليب العمل
المظهر الثاني من مظاهر أخلاقيّة الإنسان العامل هو الاتجاه إلى التجديد في أساليب العمل (نزعة التجديد في أساليب العمل). نحن عندنا (نظريّة) وعندنا (عمل).

1ـ النظريّة: هي الإسلام ولا شكّ ولا ريب في أنّ ديننا ثابتٌ لا يتغيّر ولا يتجدّد، ولا شكّ أنّ هذا الدين هو أشرف رسالات السماء وخاتم تلك الأديان الذي ارتضاه الله تبارك وتعالى للإنسان في كلّ مكانٍ وفي كلّ زمانٍ. ولهذا فالصيغة النظريّة للرسالة صيغةٌ ثابتةٌ لا تتغيّر ولا يمكن أن نؤمن فيها بالتجدّد. من الخطأ ألف مرّة أن نقول إنّ الإسلام يتكيّف وفق الزمان، الإسلام فوق الزمان والمكان لأنّه من وضع الواضع الذي خلق الزمان والمكان، فقد قدّر لهذه الرسالة القدرة على الامتداد مهما امتدّ المكان والزمان.
الصيغة النظريّة للإسلام صيغةٌ ثابتةٌ فوق التجدّد وفوق التغيّر. لا بدّ لها هي أن تحكم كلّ عوامل التغيّر وكلّ عوامل التجدّد لا أن تحكم عوامل التجدّد والتغيّر الرسالة وتحكم الإسلام، بل الإسلام يحكم كلّ عوامل التجدّد. هذا واضحٌ على مستوى النظريّة ولا بدّ أن يكون واضحاً عندنا جميعاً.

2ـ وأمّا العمل في سبيل هذه النظريّة: ففي أساليب العمل الخارجيّ كانت لدينا حالةٌ، أنا استطيع أن اسمّيها "حالة النزعة الاستصحابيّة" ، فكنّا نتّجه دائماً إلى ما كان ولا نفكّر أبداً في أنّه هل بالإمكان أن يكون أفضل ممّا كان؟ وهذه النزعة الاستصحابيّة إلى ما كان والحفاظ على ما كان يجعلنا غير صالحين لمواصلة مسؤوليّتن، وذلك لأنّ أساليب العمل ترتبط بالعالَم، ترتبط بمنطقة العمل، ترتبط بالبستان الذي تريد أن تزرع فيه، وهذا البستان هي الأمّة التي تريد أن تزرع فيها بذور الخير والتقوى والورع والإيمان... ليست لها حالةٌ واحدةٌ، الأمّة تتغيّر، نعم إسلامك لا يتغيّر، لكن الأمّة تتغيّر، الأمّة اليوم غير الأمّة بالأمس في مستواها الأخلاقيّ، في علائقها الاجتماعيّة، في أوضاعها الاقتصاديّة، في كلّ ظروفها، الأمّة اليوم غير الأمّة بالأمس، وحيث إنّ الأمّة اليوم غير الأمّة بالأمس، لا يجوز لك أن تتعامل مع الأمّة اليوم كما تعاملت مع الأمّة بالأمس، أنت اليوم حينما تريد أن تتصّل بإنسانٍ من أبناء الأمّة في بلدٍ آخر لا تمشي على رجليك، ولا تركب حيواناً، وإنّما تركب سيارةً لكي تصل إلى هناك، يعني أنّك غيّرت أساليب عملك مع أبناء الأمّة، لماذا؟ لأنّ الأمّة تغيّرت، فحيث إنّ منطقة العمل هي الأمّة، حيث إنّك تريد أن تزرع بذورك، (بذور التقوى والورع والإيمان) في الأمّة... لهذا يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الظروف والتغيّرات والتصوّرات التي توجد في الأمّة، هذه التصوّرات والتغيّرات التي توجد في الأمّة، تحدّد لنا أساليب العمل، وليس بالإمكان أن يكون هناك أسلوبٌ واحدٌ يصدق على الأمّة اليوم، وعلى الأمّة بالأمس، وعلى الأمّة غداً.


* من كتاب: محنة الأمم - جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
 

2026-04-10