الإنسان بين مساري الارتقاء والانحدار
عندما تلاحظون الإنسان فإن نشوئه الأولي لا يختلف عن سائر النباتات، إذ أن النبات أو نواة التمر أو نواة شيء آخر يُلقى في التربة، فتقوم التربة بالتربية، فينمو في مكان خاص يحتاجه للنمو،
عدد الزوار: 17الإنسان بين مساري الارتقاء والانحدار
عندما تلاحظون الإنسان فإن نشوئه الأولي لا يختلف عن سائر النباتات، إذ أن النبات أو نواة التمر أو نواة شيء آخر يُلقى في التربة، فتقوم التربة بالتربية، فينمو في مكان خاص يحتاجه للنمو، والحيوان أيضاً تقع نطفته في الرحم وهي بذرة وهذه البذرة مكانها هناك، أي أن مكان تربيتها هناك، ولو امكن في يوم إيجاد مكان له نفس هذه الخاصية لتنمو النطفة فيه كما في الرحم، لأمكن القيام بالتربية، وقد يشمل ذلك الإنسان في يوم ما.
إنه في البداية كسائر النباتات، ولا يختلف عنها، فهي تنمو وهو ينمو أيضاً، لكنه في مكان خاص وضمن ظروف خاصة وإن النباتات تنمو في محل خاص آخر وضمن ظروف أخرى بيد انهما يشتركان في هذا المعنى وهو أنهما يُزرعان ويبدأ هذا الزرع بالنمو بواسطة القوى التي أودعها الله تبارك وتعالى في الأرض، والقوى المودعة في الرحم، فهما يشتركان مع بعضهما، ثم يستقر تدريجياً هذا الذي زرع في الأرض، ويبقى نباتاً حتى النهاية إلى أن يصل إلى الثمرة، وإن ثمرته هي ثمرة للنبات.
أما التي لم تزرع في الأرض وهي الحيوانات جميعاً ومنها الإنسان فإنها تعلو تدريجياً فوق مرتبة النبات وتظهر عندها روح حيوانية في نفس المرتبة التي هي فيها فتمتاز عن سائر النباتات لكنها حيوانات بأجمعها، أي تشترك بالروح الحيوانية، وعندما تولد في هذا العالم وتنفصل عن مكانها يعتبر هذا امتيازاً عن النباتات لأن النبات سوف ينتهي لو فصلناه عن مكانه إلاّ أنها تنفصل عندما يقتضي الأمر وتكتمل تلك الصفة النباتية وتظهر الصفة الحيوانية، وتنتهي الحاجة للرحم، وتلج هذا العالم.
تشترك الحيوانات جميعاً في الاكل والنوم والشهوات وأمثال ذلك فلا امتياز بينها إلاّ من خلال الصفات الحيوانية، وإن هذه الحيوانات الموجودة تختلف في الإدراك أيضاً، فالقرد مثلاً يدرك ويفهم أكثر من حيوان آخر، ويصبح الإنسان ممتازاً بهذه الحيوانات لأنه قادر على التطور، فهو يختلف عنها في الإدراك، وفي غاية الإدراك، إذ أن إدراك الحيوان محدود ضمن حدود معينة وينتهي، ولكن ينبغي القول بأن إدراك الإنسان وقابليته للتربية غير متناهية تقريباً فالإنسان إذاً عنده العالم بأجمعه وزيادة، كل ما هو موجود في العالم من الكائنات فإنه يمتاز عنها، فهو يشترك مع الحيوانات والنباتات وما يعادلها لكنه يفوقها بامتلاكه لقوة عاقلة وقوة أسمى غير موجودة عند بقية الكائنات.
الإنسان كائن طبيعي وما وراء الطبيعة
لو كان الإنسان لا يخرج عن حدود الطبيعة لما كانت هناك حاجة لأن يأتيه شيء من عالم الغيب لتربيته، فلا حاجة لتربية الجانب الآخر من الإنسان لعدم وجوده، ولكن بما أن الإنسان مجرداً عن عالم الطبيعة حقيقة، وهذه الخصوصيات الموجودة في الإنسان بذاتها تدل على وجود ما وراء لهذه الطبيعة، ولأن الإنسان له ما وراء الطبيعة وحسب البراهين الثابتة في الفلسفة فإنه يوجد ما وراء هذه الطبيعة في الإنسان والإنسان له عقل مجرد بالإمكان وسيصبح مجرداً تاماً فيما بعد، فإنه يجب أن يقوم بتربية الجانب الآخر للإنسان وهو الجانب المعنوي، من له علم بذلك الجانب، علماً حقيقياً به، وعلماً بالعلاقات القائمة بين الإنسان والطبيعة والجانب الآخر، وإن الذي يتمكن من إدراك هذه العلاقة ليس بشراً، لأن الإنسان لا يتمكن من ذلك، أنه قادر على هذا المقدار من إدراك الطبيعة، ومهما نظر إلى عالم ما وراء الطبيعة من خلال عدسة مكبرة فلن يشاهد شيئاً، انه بحاجة إلى استخدام معانٍ أخرى، وبما أن هذه العلاقات خافية على البشر ويعلمها الله تبارك وتعالى الذي خلق كل شيء، لهذا ينزل الوحي الإلهي على أشخاص كاملين قد سلكوا طريق الكمال والمعنوي وفهموا، فتحدث العلاقة بين الإنسان وعالم الوحي، ويوحي إليه، ويُبعث لتربية الإنسان في بعده الآخر، فيأتي هؤلاء إلى الناس ليقوموا بتربيتهم.
الإنسان أمام مفترق طريقين
﴿وَالْعَصْرِ*إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾[1] "وَالْعَصْرِ" هو الإنسان الكامل وهو صاحب الزمان (سلام الله عليه) أي عصارة جميع الكائنات، والقسم بعصارة جميع الكائنات أي القسم بالإنسان الكامل (إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ) وهذا الإنسان المذكور هنا هو نفس الإنسان الذي له رأس وأذنين، ونحن نسميه إنساناً، والخطاب موجّه لنا، فنحن أمام مفترق طريقين: أحدهما طريق الإنسانية، والذي هو الصراط المستقيم، ويتصل الصراط المستقيم في طرف منه بالطبيعة، وفي الطرف الآخر بالألوهية، فالطريق المستقيم يبدأ من العلق، وبعضه طبيعي والمهم منه هو عندما يكون إرادياً، فالطبيعة أحد طرفيه ومقام الألوهية طرفه الآخر، ويبدأ الإنسان من الطبيعة حتى يصل إلى ذلك المكان الذي لا تصل إليه افكاري وافكارك، "سأصير ذلك الشيء الذي لا يخطر بوهمك"[2] فأنتم مخيرون في هذا المفترق أما أن تنتخبوا صراط الإنسانية المستقيم، أو الانحراف إلى اليسار، أو إلى اليمين.
قابلية الإنسان ذات البعدين
عندما يولد الإنسان ابتداءً، فإن فيه كل شيء على شكل استعداد أي غير متحقق، لكنه قابل للتحقق، فهذا الطفل الذي يخرج إلى هذه الدنيا يكون مستعداً ليحصل على ملكات صالحة، ومستعداً للحصول على ملكات رذيلة، إذ لو سعى باتجاه الملكات الرذيلة فإنها ستتحقق تدريجياً ويصبح باطن الإنسان كائناً منحطاً.
يمارس الإنسان أحياناً بعض الأعمال التي تناسب شأن الحيوان فيكون متوحشاً حتى ولو كان في القول، فنراه يعتدي على الناس ويوجه لهم كلمات الفحش، وهذه وحشية، أو تكون لديه وحشيات من نوع آخر، هذه ملكة تظهر عند الإنسان وهي ملكة التوحش.
* من كتاب: التربية والمجتمع في فكر الإمام الخميني (قدس سره) – جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
[1] - القرآن الكريم، سورة العصر، الآية 12
[2] - إشارة إلى بيت شعر لمولوي


