أيّامُ الأملِ والعملِ
عن أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام): «أَلَا وَإِنَّكُمْ فِي أَيَّامِ أَمَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ، فَمَنْ عَمِلَ فِي أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ، فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ، وَلَمْ يَضْرُرْهُ أَجَلُهُ»
عدد الزوار: 25أيّامُ الأملِ والعملِ
عن أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام): «أَلَا وَإِنَّكُمْ فِي أَيَّامِ أَمَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ، فَمَنْ عَمِلَ فِي أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ، فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ، وَلَمْ يَضْرُرْهُ أَجَلُهُ»[1].
يصفُ الإمامُ (عليه السلام) هذهِ الدنيا بصفةٍ يحثُّ فيها الإنسانَ على الاستفادةِ منها والتزودِ للآخرةِ، فهذهِ الدنيا هيَ دارُ الأملِ، ولكنَّهُ أملٌ مقطوعٌ، وسوفَ ينتهي عندَ حدِّهِ، وهوَ الأجلُ، أي نهايةُ العمرِ المكتوبِ للإنسانِ. ووجودُ الأملِ أساسٌ في حياةِ الإنسانِ، ولولاهُ لما سعى الإنسانُ للعيشِ في هذهِ الحياةِ، ويقابلُهُ اليأسُ، ففي المرويِّ أنّهُ: «بَيْنَمَا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (عليه السلام) جَالِسٌ، وَشَيْخٌ يَعْمَلُ بِمِسْحَاةٍ وَيُثِيرُ بِهِ الْأَرْضَ، فَقَالَ عِيسَى (عليه السلام): اللَّهُمَّ انْزِعْ عَنْهُ الْأَمَلَ؛ فَوَضَعَ الشَّيْخُ الْمِسْحَاةَ وَاضْطَجَعَ، فَلَبِثَ سَاعَةً، فَقَالَ عِيسَى (عليه السلام): اللَّهُمَّ ارْدُدْ إِلَيْهِ الْأَمَلَ؛ فَقَامَ، فَجَعَلَ يَعْمَلُ»[2].
وإذا حصلَ التوازنُ بينَ الأملِ الموجودِ لدى الإنسانِ والأجلِ المحتومِ الآتي إليهِ، كانَت ثمرتُهُ المبادرةَ إلى العملِ الصالحِ النافعِ لهُ، ولا يكونُ في أجلِهِ أيُّ ضررٍ؛ لأنَّهُ قدِ استعدَّ لذلك.
وفي موضوعِ الأملِ، وردَ في الرواياتِ التحذيرُ من بعضِ مخاطرِ الأملِ، لذا لا بدَّ من أن يحذرَ المؤمنُ من:
1. الآمالِ الباطلةِ: قالَ تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾[3]، وهوَ الأملُ بأمرٍ لا خيرَ فيهِ، أو ما يُقالُ لهُ سرابٌ. وأفضلُ تشبيهٍ لهذهِ الآمالِ الباطلةِ ما وردَ في سورةِ البقرةِ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾[4].
لذا، على الإنسانِ مراقبةُ الأملِ حتّى يتّقيَ الوقوعَ في الباطلِ منهُ؛ لأنَّ الفرصةَ قصيرةٌ، واليومُ الذي تعيشُ فيهِ قد يكونُ الأخيرَ، بل لعلَّ الإنسانَ ينامُ هنيئاً، ويصبحُ وأرحامُهُ يبكونَ عليهِ، فعن أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام): «اتَّقُوا بَاطِلَ الْأَمَلِ، فَرُبَّ مُسْتَقْبِلِ يَوْمٍ لَيْسَ بِمُسْتَدْبِرٍ، وَمَغْبُوطٍ فِي أَوَّلِ لَيْلِهِ قَامَتْ عَلَيْهِ بَوَاكِيهِ فِي آخِرِهِ»[5].
2. طولِ الأملِ: ولمّا كانَتِ الدنيا محدودةً، ولها نهايةٌ، ولا بقاءَ فيها، كانَ على الإنسانِ أن يحذرَ تماماً من أن يتعلّقَ بالآمالِ الطويلةِ، فقد لا ينفعُهُ عمرُهُ في القيامِ بها، فعنِ الإمامِ عليٍّ (عليه السلام): «مَا أَطَالَ عَبْدٌ الْأَمَلَ إِلَّا أَسَاءَ الْعَمَلَ»[6]؛ لأنَّهُ سوفَ يقعُ في التسويفِ للأعمالِ الصالحةِ أوِ التداركِ لما وقعَ فيهِ.
وطولُ الأملِ هذا يوجبُ قساوةَ القلبِ، وعلاجُهُ ذكرُ الآخرةِ دائماً، وأن يستحضرَ أنَّ يومَهُ الذي يعيشُ فيهِ لعلَّهُ يكونُ الأخيرَ في حياتِهِ، فعنِ الإمامِ عليٍّ (عليه السلام): «مَنْ يَأْمُلُ أَنْ يَعِيشَ غَداً، فَإِنَّهُ يَأْمُلُ أَنْ يَعِيشَ أَبَداً، وَمَنْ يَأْمُلُ أَنْ يَعِيشَ أَبَداً، يَقْسُو قَلْبُهُ وَيَرْغَبُ فِي دُنْيَاهُ»[7].
3. الأملِ بغيرِ اللهِ عزَّ وجلَّ: وهوَ أخطرُ ما يقعُ بهِ الإنسانُ، واللهُ عزَّ وجلَّ يعاجلُ مَن يتعلّقُ بغيرِهِ بالتخلّي عنهُ، ففي المرويِّ عنِ الإمامِ عليٍّ (عليه السلام): «انْقَطِعْ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَأُقَطِّعَنَّ أَمَلَ كُلِّ مَنْ يُؤَمِّلُ غَيْرِي بِالْيَأْسِ»[8].
وإنَّ الأملَ معقودٌ بتعلّقِ القلبِ باللهِ عزَّ وجلَّ في أن يمنَّ علينا بالتوفيقِ لطاعتِهِ في شهرِ رجبٍ لما يحبُّ ويرضى.
وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين
[1] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص71، الخطبة 28.
[2] الأمير ورّام، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر (مجموعة ورّام)، ج1، ص272.
[3] سورة الحجر، الآية 3.
[4] سورة النور، الآية 39.
[5] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، ص91.
[6] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص259.
[7] ابن الأشعث، الجعفريّات (الأشعثيّات)، ص240.
[8] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج91، ص95.


