يتم التحميل...

نحن مُوَدِّعوه

زَادُ المُنِيبين في شهر اللّه

أيّامٌ قليلة تفصلنا عن وداع شهر رمضان المبارك، هذا الشهر الذي جاءنا بموائده الكريمة، لننهل منها ما يقرّبنا إلى الله تعالى، فنستغفره ونتوب إليه من خطايانا وذنوبنا، وقد وعدنا الإجابة فيه، وفتح لنا باب توبته وغفرانه.

عدد الزوار: 219

«اللَّهُمَّ، وَمَا أَلْمَمْنَا بِهِ فِي شَهْرِنَا هَذَا مِنْ لَمَم أَوْ إثْم، أَوْ وَاقَعْنَا فِيهِ مِنْ ذَنْبِ وَاكْتَسَبْنَا فِيهِ مِنْ خَطِيئَة عَلَى تَعَمُّد مِنَّا، أَوِ انْتَهَكْنَا بِهِ حُرْمَةً مِنْ غَيْرِنَا، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَاسْتُرْنَا بِسِتْرِكَ، وَاعْفُ عَنَّا بِعَفْوِكَ، وَلاَ تَنْصِبْنَا فِيهِ لأعْيُنِ الشَّامِتِينَ، وَلاَ تَبْسُطْ عَلَيْنَا فِيهِ أَلْسُنَ الطَّاغِينَ، وَاسْتَعْمِلْنَا بِمَا يَكُونُ حِطَّةً وَكَفَّارَةً لِمَا أَنْكَرْتَ مِنَّا فِيهِ بِرَأْفَتِكَ الَّتِي لاَ تَنْفَدُ، وَفَضْلِكَ الَّذِي لا يَنْقُصُ»[1].

نحن مُوَدِّعوه
أيّامٌ قليلة تفصلنا عن وداع شهر رمضان المبارك، هذا الشهر الذي جاءنا بموائده الكريمة، لننهل منها ما يقرّبنا إلى الله تعالى، فنستغفره ونتوب إليه من خطايانا وذنوبنا، وقد وعدنا الإجابة فيه، وفتح لنا باب توبته وغفرانه.

والمفلح هو ذاك الذي استغلّ هذه الأيّام، ودأب للتقرّب إلى الباري سبحانه وتعالى بكلّ جدٍّ ونشاط، فتلا كتابَ الله، وفعل الحسنى، وأطعم مؤمناً، وقضى حاجةَ أخٍ له في الإيمان، ووصل رحمَه، وأعان يتيماً، وأصلح ذاتَ البين، وأحسن الجوار...

أمّا الشقيّ، فهو من كانت مائدة الرحمن أمامه، فتقاعس وزهد بما لا ينبغي الزهد فيه، فتسلّطت عليه الشياطين، وكان فريستها في ذنب هنا ومعصية هناك.

إنّ أهل بيت العصمة الأطهار (عليهم السلام)، قد أولوا اهتماماً كبيراً لوداع شهر رمضان، فتحدّثوا عنه وكأنّما عزيز عليهم يريد الرحيل، فعن الإمام زين العابدين (عليه السلام) في دعائه في وداع شهر رمضان: «فَنَحْنُ مُوَدِّعُوه وِدَاعَ مَنْ عَزَّ فِرَاقُه عَلَيْنَا، وغَمَّنَا وأَوْحَشَنَا انْصِرَافُه عَنَّا، ولَزِمَنَا لَه الذِّمَامُ الْمَحْفُوظُ، والْحُرْمَةُ الْمَرْعِيَّةُ، والْحَقُّ الْمَقْضِيُّ»[2].

ويقول (عليه السلام) مخاطباً الشهر المبارك: «السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا شَهْرَ اللَّه الأَكْبَرَ، ويَا عِيدَ أَوْلِيَائِه، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَكْرَمَ مَصْحُوبٍ مِنَ الأَوْقَاتِ، ويَا خَيْرَ شَهْرٍ فِي الأَيَّامِ والسَّاعَاتِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْرٍ قَرُبَتْ فِيه الآمَالُ، ونُشِرَتْ فِيه الأَعْمَالُ... السَّلَامُ عَلَيْكَ مَا أَكْثَرَ عُتَقَاءَ اللَّه فِيكَ! ومَا أَسْعَدَ مَنْ رَعَى حُرْمَتَكَ بِكَ!»[3].

وإن دلّ هذا على شيء، فإنّما يدلّ على تلك المكانة التي كان يحتلّها هذا الشهر المبارك في قلوبهم المطهّرة، فدعوا الله تعالى، وخصّصوا لذلك أدعية، هي كجرس إنذارٍ لنا نحن المقصّرين، عسى أن توقظنا، لنرمّم ما قصّرنا به خلال أيّامه المباركة، ذلك أنّ أبواب رحمته تعالى ما زالت مُفتّحة لم تُغلق، وهذا ما وعدنا به رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ قال في خطبة استقبال الشهر الكريم: «إنّ أبواب الجنان في هذا الشهر مُفتّحة»[4].

سيرة أهل العصمة (عليهم السلام) في العشر الأواخر
ويُستفاد من الروايات التي تحكي سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله) وآله الأطهار (عليهم السلام) في العشر الأواخر من شهر رمضان، أنّهم كانوا يُكثرون من العبادة وتلاوة القرآن، علاوةً على عباداتهم في ما مضى من شهر رمضان. فالعشر الأواخر ليست أيّام تعبٍ وإرهاق بانتظار انتهاء شهر الله، والتخلّص من فريضة شاقّةٍ كما يتصوّر بعضهم، بل على العكس من ذلك، هي أيّام وليالي عبادة خاصّة، يجب اغتنامها والاستفادة منها أكثر، اقتداءً بأهل العصمة (عليهم السلام).

رُوي أنّ النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله) إذا دخل العشر الأواخر، شدَّ المئزر واجتنب النساء وأحيا الليالي وتفرّغ للعبادة[5]. وفي رواية أنّه (صلى الله عليه وآله) كان إذا دخلت العشر الأواخر من شهر رمضان، اعتكف في المسجد، وضُربَت له قبّة من شعر، وشمّر المئزر، وطوى فراشه.

وكان الإمام الصادق (عليه السلام) يحثّ أصحابه في العشر الأواخر على تكرار دعاء «أعوذ بجلال وجهك الكريم...»[6]. وفي رواية كان (عليه السلام) يقول في كلّ ليلة من العشر الأواخر بعد الفرائض والنوافل: «اللهمّ، أدِّ عنّا حقّ شهر رمضان...»[7]. وفي ثالثة كان (عليه السلام) يقول في كلّ ليلة من العشر الأواخر: «اللهمّ، إنّك قُلت في كتابك...»[8].

وكان (عليه السلام) يبادر أصحابه بالسؤال عن أداء مستحبّات العشر الأواخر من غُسلٍ أو عبادةٍ، كما فعل مع حمّاد بن عثمان عندما دخل عليه في ليلة واحد وعشرين[9].

لا ينقضي الشهر بانتهائه
إنّ الله تعالى قد وضع لشهر رمضان حكمة وغاية، بيّنها في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾[10].

فالتقوى، التي كانت الحكمة البالغة من صيام شهر رمضان، لا ينبغي أن تنتهي بانتهائه، إنّما تستمرّ إلى ما بعده من أيّام وشهور، وبذلك يكون المرء قد حقّق المراد والمبتغى.

وقد عرّف الإمام الصادق (عليه السلام) التقوى بقوله: «أن لا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يراك حيث نهاك»[11].

وفي القرآن الكريم آيات عديدة تبيّن صفات المتّقين:
قال سبحانه: ﴿وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَة مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ ١٣٣ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾[12].
وقال: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾[13].
وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ ١٨ وَفِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّ لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ﴾[14].
وقال: ﴿إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰت وَعُيُونٍ ١٥ ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُحۡسِنِينَ ١٦ كَانُواْ قَلِيلا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مَا يَهۡجَعُونَ﴾[15].

 * زَادُ المُنِيبين في شهر اللّه، إصدار دار المعارف الإسلاميّة الثقافيّة، الطـبعــة الأولى 2024م.


[1]  الإمام زين العابدين (عليه السلام)، الصحيفة السجّاديّة، مصدر سابق، ص202، الدعاء 45.
[2] الإمام زين العابدين (عليه السلام)، الصحيفة السجّاديّة، مصدر سابق، ص198، الدعاء 45.
[3]  الإمام زين العابدين (عليه السلام)، الصحيفة السجّاديّة، مصدر سابق، ص198، الدعاء 45.
[4] الشيخ الصدوق، الأمالي، مصدر سابق، ص155.
[5]  الشيخ الصّدوق، من لا يحضره الفقيه، مصدر سابق، ج2، ص100.
[6]  الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج4، ص160.
[7]  القمّيّ، الشيخ عبّاس، مفاتيح الجنان، تعريب السيّد محمّد رضا النوريّ النجفيّ، مكتبة العزيزي، إيران - قمّ، 1385ش - 2006م، ط3، ص360.
[8] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج4، ص165.
[9]  السيّد ابن طاووس، الإقبال بالأعمال الحسنة، مصدر سابق، ج1، ص366.
[10]  سورة البقرة، الآية 183.
[11]  العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج67، ص285.
[12] سورة آل عمران، الآيتان 133- 134.
[13]  سورة آل عمران، الآية 135.
[14]  سورة الذاريات، الآيتان 18 - 19.
[15] سورة الذاريات، الآيات 15 - 17.

2024-03-25