يتم التحميل...

رسول الله نورٌ في دياجي الظلمات

هدف الموعظة بيان أنّ الاقتداء برسول الله (صلّى الله عليه وآله) لا يكون بالمحبّة والشعارات وحدها، بل بتحويل أخلاقه وثباته على الحقّ إلى سلوكٍ ومواقف في حياتنا. محاور الموعظة 1. من ظلمات الجاهليّة إلى نور النبوّة 2. رسول الله قرآنٌ ناطق 3. نور الرسالة لا يتراجع أمام الظلام

عدد الزوار: 12

رسول الله نورٌ في دياجي الظلمات

هدف الموعظة
بيان أنّ الاقتداء برسول الله (صلّى الله عليه وآله) لا يكون بالمحبّة والشعارات وحدها، بل بتحويل أخلاقه وثباته على الحقّ إلى سلوكٍ ومواقف في حياتنا.

محاور الموعظة
1. من ظلمات الجاهليّة إلى نور النبوّة
2. رسول الله قرآنٌ ناطق
3. نور الرسالة لا يتراجع أمام الظلام

تصدير الموعظة
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[1].
حين أراد الله تعالى أن يعرّفنا رسولَه الأكرم محمّداً (صلّى الله عليه وآله)، لم يكتفِ بذكر نسبه، ولا بمعجزاته، ولا بانتصاراته، بل اختصر جانباً عظيماً من شخصيّته قائلاً: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. وهذا يكشف لنا أنّ الرسالة التي جاء بها النبيّ لم تكن منفصلة عن شخصيّته؛ فقد كان (صلّى الله عليه وآله) أوّلَ تجسيدٍ حيٍّ للقرآن الذي نزل على قلبه الشريف، وأوّلَ شاهدٍ على أنّ الإيمان ينبغي أن يترجم في الصدق والأمانة والرحمة والعدل والصبر والصمود.

لقد جاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في مرحلة كانت البشريّة تعاني فيها من ظلمات متراكمة، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «أَرْسَلَه عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الأُمَمِ، واعْتِزَامٍ مِنَ الْفِتَنِ، وانْتِشَارٍ مِنَ الأُمُورِ، وتَلَظٌّ مِنَ الْحُرُوبِ، والدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ»[2]، وبذلك يصف أمير المؤمنين (عليه السلام) واقعاً لم يكن مقتصراً على الجزيرة العربيّة، بل كان العالم آنذاك يعيش أزمات في القيم والعدل والإنسانيّة.

من ظلمات الجاهليّة إلى نور النبوّة
قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾[3].

لقد كانت بعثة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) تحوّلاً عظيماً في مسار الإنسانيّة والحياة؛ فقد جاء ليأخذ بالإنسان من ظلمات الانحراف إلى نور التوحيد، ومن الجهل إلى الوعي، ومن امتهان الكرامة إلى استعادة إنسانيّته، ومن الخضوع للأهواء والطواغيت إلى العبوديّة لله وحده. وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا التحوّل بقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾[4]، فالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) عمل على بناء الإنسان من الداخل، وتغيير نظرته إلى نفسه وإلى الله وإلى الآخرين، لينعكس هذا التغيير على المجتمع كلّه؛ لذلك كان نور الرسالة في أثرها الذي أحدثته في الإنسان: أخرجته من عبادة الحجر والبشر إلى عبادة الله، ومن العصبيّة والظلم إلى الأخوّة والعدل، ومن الفوضى إلى منظومةٍ أخلاقيّة تقوم على الصدق والأمانة والرحمة والمسؤوليّة.

لقد واجه النبيّ الجهل بالعلم والوعي، والظلم بالعدل، والقسوة بالرحمة، والانحراف بالهداية، ولم يفصل العبادة عن مسؤوليّة الإنسان تجاه الناس، يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «إذا كان ثمّة ذكرٌ في العالم للقيم الإنسانيّة والفضائل الأخلاقيّة والمعالي في وجود الناس، فبسبب وجوده المبارك، وبسبب تلك البعثة التي جمعت كمال البعثات وفضائل الأنبياء كلّها»[5].

رسول الله قرآنٌ ناطق
يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرً﴾[6].

إنّ عظمة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لا تكمن في عظمة ما جاء به فحسب، بل في أنّ الرسالة التي دعا الناس إليها تحوّلت في شخصه إلى واقعٍ حيّ؛ فأمر بالصدق وكان الصادق، ودعا إلى الأمانة وكان الأمين، وتحدّث عن الرحمة وكان أرحم الناس، ودعا إلى الوفاء وكان أوفى الناس بالعهد... لقد كان رسول الله النموذج الإنسانيّ الذي يقدّم للناس صورةً حيّة عمّا تريده الرسالة منهم.

يقول شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه): «إنّ رسولنا الأعظم محمّداً (صلّى الله عليه وآله) لديه من الكمالات العقليّة والمعنويّة والروحيّة والنفسيّة وعلى كلّ صعيد، ما بلغ به وفيه القمّة»[7]؛ لذا فإنّ حياته (صلّى الله عليه وآله) نفسها ينبغي أن تكون نموذجاً يُقتدى به، فالإسلام يريد من الإنسان معرفة الحقّ وترجمته في السلوك إلى صدقٍ وأمانةٍ ورحمةٍ وعدلٍ ووفاء. ومن هنا نفهم الحديث المشهور عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إنّما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق»، فغاية الرسالة صنع إنسانٍ يَظهر الدين في أخلاقه ومعاملاته ومواقفه.

وعليه، ماذا يعني أن نحبّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ونحيي ذكره إذا بقيت أخلاقه خارج حياتنا؟ ماذا يعني أن نكثر من الصلاة عليه، ثمّ نكذب عندما تكون الحقيقة ضدّ مصلحتنا؟ أو نرفع شعار الأمانة، ثم نخون الأمانات؟ أو نتحدّث عن رحمته، ثمّ نقسو على من يختلف معنا؟ أو نصلّي في المسجد، ثمّ نظلم في البيت أو نغتاب في المجالس أو نأكل حقوق الناس؟ إنّ الاقتداء بالنبيّ يكون بأن تصبح أخلاقه ميزاناً لسلوكنا.

نور الرسالة لا يتراجع أمام الظلام
لم تكن دعوة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) طريقاً مفروشاً بالأنصار والقدرة والنفوذ، بل بدأت في بيئةٍ معادية، وكان المسلمون في مكّة قلّةً مستضعفة، فيما كانت قريش تملك المال والقوّة والنفوذ والقدرة على الإيذاء. ومع ذلك، لم يتردّد رسول الله في إعلان الحقّ، ولم يجعل قلّة الأتباع سبباً للتراجع، ولا شدّة الأذى مبرّراً للصمت، ولا قوّة الخصم معياراً لما ينبغي أن يقال أو يُترك.

قال الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾[8]، إنّ هذا الأمر الإلهيّ صدر حين كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله وحيداً، ليس معه إلّا أمير المؤمنين والسيّدة خديجة (عليهما السلام)، وهذا يكشف أنّ مسؤوليّة الإنسان تجاه الحقّ لا تُقاس دائماً بالقدرة على تحقيق النتائج الفوريّة. وقد واجه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أشكالاً متعدّدة من الضغط: سخريةً واستهزاء، وتعذيباً لأصحابه، وحصاراً اجتماعيّاً واقتصاديّاً، وتهديداً مباشراً لحياته... ومع ذلك بقي ثابتاً؛ لأنّ صاحب الرسالة لا يجعل الحقّ تابعاً لميزان القوّة، ولا يغيّر مواقفه بتغيّر الظروف. والآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾[9]، تبيّن أنّ الهداية إلى سبل الله ليست منفصلة عن الجهاد وبذل الجهد وتحمّل الكلفة.

لكنّ الثبات على الحقّ لا يعني التهوّر، ولا يعني أن يواجه الإنسان كلّ موقف بالطريقة نفسها، ولا أن يتجاهل حساب النتائج والمصالح والمفاسد؛ فقد كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في غاية الحكمة والتدبير، واختار الأسلوب والوقت والوسيلة المناسبة، لكنّه لم يجعل الحكمة ذريعةً للتنازل عن المبدأ. فالفرق كبير بين أن نختار أسلوباً حكيماً في الدفاع عن الحقّ، وبين أن نغيّر الحقّ نفسه لأنّ الدفاع عنه أصبح مكلفاً.

إنّ نور الرسالة لا يُختبر عندما تكون الطريق مضيئة وسهلة، بل عندما يشتدّ الظلام وتصبح كلفة النور عالية. هناك يظهر صدق الإيمان، وهناك تتبيّن حقيقة الثبات، وهناك يصبح الاقتداء برسول الله (صلّى الله عليه وآله) موقفاً فعليّاً لا مجرّد شعارات.


[1] سورة القلم، الآية 4.
[2] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص122، الخطبة 89.
[3] سورة البقرة، الآية 257.
[4] سورة المائدة، الآية 15.
[5] من كلامٍ له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 04/03/2010م.
[6] سورة الأحزاب، الآية 21.
[7] من كلامٍ له (رضوان الله عليه)، بتاريخ 25/01/2013م.
[8] سورة الحجر، الآية 94.
[9] سورة العنكبوت، الآية 69.

2026-08-26