يتم التحميل...

فلسفة البكاء على الشهيد

"حمزة بن عبد المطلب" عمّ النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، استشهد في أحد، ولمع اسمه بين شهداء صدر الإسلام، وحاز لقب "سيد الشهداء"، وقبره الآن بين شهداء أُحُد مزار لكلّ الذين يقصدون زيارة المدينة المنورة.

عدد الزوار: 20

فلسفة البكاء على الشهيد

"حمزة بن عبد المطلب" عمّ النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، استشهد في أحد، ولمع اسمه بين شهداء صدر الإسلام، وحاز لقب "سيد الشهداء"، وقبره الآن بين شهداء أُحُد مزار لكلّ الذين يقصدون زيارة المدينة المنورة.
 
كان حمزة قد هاجر من مكّة إلى المدينة حيث مكث وحيداً ليس معه فيها من ذويه أحد، حتّى استشهد.
 
حين رجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد معركة أحد إلى المدينة، وجد أصوات البكاء تتصاعد من بيوت الشهداء إلّا بيت حمزة.. فقال عبارته المعروفة: "أما حمزة فلا بواكي له"[1].
 
سرعان ما انتشرت هذه الكلمة في أرجاء المدينة، فأسرعت النساء الثكلى والأيامى إلى بيت حمزة ليبكينه احتراماً لمقولة النبيّ ولحمزة عمه.
 
فأصبحت العادة منذ ذلك الوقت أن يذهب كلّ من يريد أن يبكي على شهيد، إلى بيت حمزة ليبكيه أوّلاً.
 
وهذه الحادثة دلّت على أن الإسلام - وإن لم يشجّع البكاء على الموتى - يميل إلى أن يبكي النّاس على الشهيد، لأنّ البكاء على الشهيد اشتراك معه فيما سجله من ملاحم، وتعاطف مع روحه، واتساق مع نشاطه وتحركه وتياره.
 
بعد حادثة عاشوراء، احتلت شهادة الحسين عليه السلام مركز الذروة على مسرح الشهادة، وانتقل لقب "سيد الشهداء" إلى الحسين عليه السلام، وبقي حمزة سيّداً للشهداء، لكن عبارة "سيد الشهداء" إن أطلقت دون ذكر اسم فلا تنصرف إلّا إلى الحسين عليه السلام.
 
كان حمزة سيد شهداء زمانه، وحاز الحسين عليه السلام على لقب سيد شهداء جميع العصور والدهور، كمريم العذراء التي كانت سيدة نساء زمانها، ثم أضحت فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين.
 
كان حمزة - قبل استشهاد الحسين عليه السلام - رمزاً للبكاء على الشهيد، وكان البكاء عليه مظهراً من مظاهر الانشداد بطريق الشهادة، ثم انتقلت هذه المكانة إلى الحسين عليه السلام بعد واقعة كربلاء.
 
فلسفة البكاء على الشهيد
من الضروري أن نقف - ولو قليلاً - عند مسألة "البكاء على الشهيد"، وهي مسألة لاكتها الألسن بكثير من عدم الفهم، وواجهت كثيراً من الاعتراضات.
 
تهجم بعضهم بصراحة على هذه الظاهرة مدّعياً أنّها وليدة نظرة خاطئة إلى مسألة الشهادة وأنّها ذات آثار اجتماعية سلبيّة.
 
أتذكر أنّي قرأت أيّام التلمذة كتاباً للكاتب المعروف آنذاك "محمّد مسعود" طرح فيه مسألة البكاء على الحسين بن علي عليهما السلام وقارن ذلك بما دأب عليه المسيحيون بالاحتفال، بل بالابتهاج في ذكرى استشهاد المسيح!
 
قال: انظروا إلى أمّة تبكي على شهيدها لأنّها تحسب الشهادة فشلاً وخسراناً وأمراً يبعث على الحزن والأسف، وأمّة أخرى تبتهج بذكرى شهادة شهيدها لأنّها تنظر إليها نظرة اعتزاز وافتخار.
 
وأمّة تبكي ألف عام على استشهاد شهيدها وتحترق ألماً وأسفاً عليه لا بدّ أن تكون ضعيفة مهزوزة مهزومة. لكن أمّة تبتهج حين تحيي ذكرى شهادة شهيدها خلال القرون المتمادية لهي أمّة قويّة مقتدرة مضحية حتماً.
 
هذا الكاتب يريد أن يقول إنّ البكاء على الشهيد مظهر ضعف الأمّة وانحطاطها، والابتهاج بذكرى الاستشهاد ينمّ عن روح قويّة مقتدرة. لكن المسألة في رأيي هي عكس ما ذهب إليه الكاتب، فالابتهاج في ذكرى الاستشهاد يعبر عن "الروح الفردية" في المسيحية، والبكاء على الشهيد يعبر عن "الروح الاجتماعية" في الإسلام.
 
لا أريد هاهنا طبعاً أن أبرّر أعمال كثير من الناس ممن ينظرون إلى الحسين عليه السلام على أنّه مجرد شخصية تثير الحزن والأسف والأسى، لأنّه قتل مظلوماً، ولأنّه ذهب ضحية أهواء الطاغوت.
 
لا أريد أن أبرّر أعمال أولئك الذين لا يضعون نصب أعينهم مواقف الحسين عليه السلام البطولية في إحيائهم لذكرى سيد الشهداء، فقد سبق أن انتقدنا هؤلاء حين تحدثنا عن (منشأ القدسية) في الشهيد.
 
بل أريد أن أوضح فلسفة تعليمات قادتنا الميامين في حقل البكاء على الشهيد.
 
هذه الفلسفة التي يتفهمها جيداً كلّ الواعين ممّن يشاركون في مجالس عزاء الحسين عليه السلام.
  
* من كتاب: الجهاد والشهادة  - جمعية المعارف الإسلاميّة الثقافية


[1] ابن عبد البر، الاستيعاب بهامش الإصابة، ج1، ص275.

2026-05-20