دور المعلم في المجتمع في كلام الإمام السيد علي الخامنئي (قدس سره)
مرحباً بكم كثيراً أيها الإخوة والأخوات الأعزاء. بوركت عليكم جميعاً إن شاء الله مناسبة يوم المعلم، وعلى كافة المعلمين في جميع أنحاء البلاد، وكذلك على الشعب الإيراني. إنه لدرس لنا أن يجعلوا يوم المعلم يوم استشهاد معلم كبير. هذه خطوة رمزية تعني أن عظمة عملية التربية والتعليم ترتقي إلى حد الامتزاج بين العمل الفكري والعلمي والمشاركة في الميادين الأساس للحياة - كما كان عليه الشهيد مطهري رضوان الله تعالى عليه - وهذا هو الوضع المنشود والمحبّذ في هذه المهنة الشريفة والعمل العظيم.
عدد الزوار: 8دور المعلم في المجتمع في كلام الإمام السيد علي الخامنئي (قدس سره)
مرحباً بكم كثيراً أيها الإخوة والأخوات الأعزاء. بوركت عليكم جميعاً إن شاء الله مناسبة يوم المعلم، وعلى كافة المعلمين في جميع أنحاء البلاد، وكذلك على الشعب الإيراني. إنه لدرس لنا أن يجعلوا يوم المعلم يوم استشهاد معلم كبير. هذه خطوة رمزية تعني أن عظمة عملية التربية والتعليم ترتقي إلى حد الامتزاج بين العمل الفكري والعلمي والمشاركة في الميادين الأساس للحياة - كما كان عليه الشهيد مطهري رضوان الله تعالى عليه - وهذا هو الوضع المنشود والمحبّذ في هذه المهنة الشريفة والعمل العظيم.
ثمة نقطة أساس هي أن على معلمي البلاد معرفة عظمة العمل الذي أخذوه على عواتقهم وراحوا يقومون به. إذا علم المرء أي عمل عظيم يقوم به سوف يتضاعف تحفزه وحركته وإيمانه وسعيه في هذا العمل. كالجندي الشجاع الذي يعمل ويجاهد في نقطة حساسة من خطوط الجبهة، فإن دوره الجهادي من العظمة والأهمية بحيث يمكن أن يؤثر وينفع للجبهة كلها. إذا علم المقاتل هذه الحقيقة فلن يتعب أبداً ولن يملَّ إطلاقاً، ولن يؤثر فيه أيُّ عامل من عوامل اليأس. هذه نقطة يجب أن تكون حاضرة دوماً أمام أعين معلمينا وهي أن دور المعلم بالنسبة للمجتمع دور حيوي ولا يقبل المقارنة مع الكثير من الأدوار المهمة والحساسة في التركيبة الاجتماعية.
هذه المادة الخام التي توضع تحت تصرف المعلم لوح بسيط، وعلى حدّ قول الشاعر: "أنا لوح بسيط مستعد لتقبّل أية نقوش". واليد الرسامة ترسم على هذا اللوح وتمنحه هوية جديدة. ثمة عوامل مختلفة: عوامل التربية والدين والأحداث الاجتماعية والمؤثرات الخارجية، وفي عصرنا الحاضر: وسائل الإعلام وما إلى ذلك جميعها مؤثر، بيد أن دور المعلم يبقى دوراً بارزاً مميزاً.
بوسع المعلم أن يُخرج هذه المادة الخام حتى من أسر العوامل الوراثية. وقد أثبت العلم ذلك. كما أن العوامل الوراثية السلبية كالأمراض والأعراض الجسمية يمكن إزالتها بتدابير معينة وأعمال وقائية وأنشطة محددة، كذلك الحال بالنسبة للعوامل الوراثية الأخلاقية والروحية والمعنوية.
بوسع المعلم تربية هذا الحدث أو الطفل وجعله إنساناً عالماً مفكراً يتحلى بروح البحث العلمي ويرغب في البحث والدراسة والعلم، أو يجعله إنساناً سطحياً غير راغب في العلم والتعمق والبحث العلمي. بوسعه أن يخرِّجه ويقدمه للمجتمع إنساناً شريفاً نجيباً خيّراً طيب القلب طاهر النفس، أو على العكس قد يجعله إنساناً شريراً مسيئاً. وبمقدوره أن يجعله إنساناً متفائلاً ذا ثقة بالنفس ومملوءاً بالأمل ومحباً للعمل والنشاط، أو على الضد من ذلك يمكنه تخريجه إنساناً يائساً قانطاً منعزلاً ومنكفئاً على نفسه.
كما بوسعه أن يجعل منه إنساناً متديناً تقياً ورعاً وطاهراً، أو إنساناً غير مبالٍ وغير آبه للقيم الأخلاقية والتعاليم الدينية. بوسعه التغلب حتى على عوامل التربية الخارجية مثل وسائل الإعلام. بل إن التعليم المستمر على مدى سنوات والعمل على هذه المادة الخام والقلب المستعد لتقبّل الأشكال المختلفة، يمكنه التفوق حتى على الدور التربوي للوالدين. هذا هو دور المعلم.
المجتمع بحاجة إلى أفراد مؤمنين متحفزين صبورين متفائلين آملين مهتمين بالمصالح العامة وراغبين في الوصول إلى قمم الكمال الفردي والاجتماعي.. أناس مبتكرين محققين باحثين وطلاب تقدّم. من الذي سيخلق ذلك؟ هنا يبرز دور المعلم. جهاز التربية والتعليم مهم وحساس إلى هذه الدرجة. طبعاً، قيل الكثير عن قضايا التربية والتعليم ودور المعلمين. ونحن اليوم لسنا في ظروف تسمح لنا أن نكتفي بالكلام، بل نحتاج إلى العمل.
التربية والتعليم سواء في الجانب اللجاني أو في ما يتصل بمجموعة المعلمين والأساتذة في كل أنحاء البلاد، بمقدورهما رسم مصير البلاد ومستقبله. صحيح أن التغيير الجذري للتربية والتعليم مشروع أساس نبّهنا إليه مسؤولي البلاد ومدراء التربية والتعليم مراراً. والحمد لله سمعتم في كلمة الوزير المحترم أنه تم العمل بصورة جيدة على هذا الصعيد حيث يجب القيام بتغيير أساس في التربية والتعليم وذلك حسب الاحتياجات وعلى أساس الأهداف السامية والإمكانيات الهائلة المتوفرة في البلاد، والطاقات الإنسانية الموجودة.. هذا الشيء صحيح في محله وموضعه، وأنا أشدد هنا على هذه العملية وأن لا تتوقف بل يجب أن تتابَع وتستمر حتى النهاية بشوق وهمة مضاعفة وتحفّز لا ينتهي، وهي عملية صعبة طبعاً، لكن المعلم من حيث استعداده الشخصي ومن حيث شعوره بالمسؤولية لا يمكنه أن يتوقف عن العمل إلى حين يتوفر الواقع المنشود والمحبذ في مؤسسة التربية والتعليم. توصيتي لكم جميعاً أيها المعلمون الأعزاء والمعلمون في جميع أصقاع البلاد هي أن تؤمنوا بدوركم العظيم هذا وأن تعلموا أي دور خطير تمارسونه لمستقبل البلاد.
تعرّض بلدنا طوال قرون لخسائر جسيمة وتخلّف كبير وغفلة لا يمكن تعويضها.. مع ما نشاهده اليوم، ومع ظهور الثورة الإسلامية وبهذه الحركة والمسيرة الجديدة، يجب أن يسير هذا البلد في الطريق الجدير به والجدير بتراثه والقيِّم بإسلامه.. وهذا بحاجة إلى حركة عظيمة.
ليلتفت المعلمون الأعزاء. أيَّ إنسان بحاجة لغد هذا البلد. ما هي الخصوصيات التي يجب أن يتميّز بها رجالنا ونساؤنا من أجل بناء هذا البلد بشكل مطلوب وجيد؟ هذا ما يتمّ على أيديكم. هذا الحدث أو الطفل الجالس في الصف أمامكم هو تحت تصرفكم ويمكنكم تعزيز روح الثقة بالنفس لديه وزرعه بالأمل ودفعه إلى سوح العمل من خلال كلامكم وأسلوبكم وسلوككم معه، وبمقدوركم بثّ روح التدين فيه كما ينبغي له. يمكنكم جعله إنساناً ذكياً دؤوباً اجتماعياً محباً لمصالح المجتمع، وإيقاظ روح الإبداع لديه. معلمنا الواعي يمكنه القيام بكل هذا داخل الصف الدراسي.
هذا هو الواجب العام للمعلمين في كافة أنحاء البلاد. طبعاً، من أجل أن يقوم المعلم بكل هذا يشعر أنه بحاجة إلى توجيه وإرشاد دقيق من قبل المجتمع والمفكرين ومتخصصي التربية والتعليم. هذه الحاجة هي التي تفرز الثمار وتأتي بها. إذا شعر المعلمون بهذه الحاجة سينعكس شعورهم هذا فوراً على الأجهزة المنتجة في البلاد، فيتمُّ إنتاج ما نحتاج إليه. ما لم نشعر بالحاجة وما لم نسأل وما لم نطلب فلن يصار إلى إنتاج الشيء الذي نحتاجه. هذا هو دور التربية والتعليم.
وأقول حول شهيدنا الغالي المرحوم آية الله مطهري (رضوان الله تعالى عليه): الحق أن سلوك ذلك الرجل الكبير وطبعه كان دليلاً ومؤشراً على معلم كامل يشعر بالمسؤولية. لم يتخلف عن الخوض في أي مجال من المجالات التي تحتاج إلى حضور المفكر الإسلامي، ولم تستطيع الملاحظات والمصالح والاعتبارات المختلفة إعاقته ومنعه من الخوض في هذا المجال أو ذاك، سواء في المجالات السياسية أو الصعد الفكرية.
على مستوى الإجابة عن الأسئلة المختلفة التي كانت تشغل ذهن شبابنا في تلك الفترة لم يكن الشهيد مطهري كبعض أدعياء التنوير الديني يعرض أفكاراً أجنبية على منطق الدين ومحتواه بطلاء ديني وقوالب دينية، بل على العكس، قدّم المفاهيم الدينية الحقيقية بمظاهر تتناسب مع روح العصر ومع أسئلة المتلقّين واحتياجاتهم.
لم يكن يلهث وراء أن تمدحه مجموعة معينة أو فئة فكرية خاصة. حارب الرجعية والتخلّف الفكري والتحجر والأفكار الدينية الخاطئة - الناتجة عن التحجر والرجعية - بنفس المقدار والشدة اللذين واجه بمها البدع والأفكار المنحرفة والانتقائية. هذه كانت ميزة ذلك الرجل الكبير.
لم يتعب، بل كان دؤوباً يبذل جهوده دون انقطاع. ولم يتقيّد بالأسماء والعناوين الجامعية والحوزوية الدارجة. نزل إلى الساحة كجندي من جنود الفكر والتأمل. عمل بإخلاص وقد بارك الله تعالى في عمله. واليوم بعد ثلاثين عاماً على استشهاد ذلك الرجل الكبير لا يزال كلامه جديداً حياً، وكأنه كُتب لهذا العصر.
في ذلك الوقت كان ثمة من ينتفع من آرائه وأفكاره على مختلف المستويات الفكرية ويستخلص إجاباته من أفكاره، واليوم أيضاً حيث تطورت الأفكار وحُلَّت الكثير من المسائل التي واجهت أذهان الباحثين، لا يزال فكر الشهيد مطهري يجيب عن أسئلة جديدة. وهذه هي سمة الفكر العميق المصحوب بالإخلاص.
الإخلاص حالة معجزة. إذا وضع الإنسان قدميه في طريق معينة من أجل الله، بارك الله في عمله، وهكذا يتحول الجهد الذي بذله ذلك الرجل العظيم والشهيد العزيز طوال عقود من الزمن ذخراً لا ينفد لمجتمعنا. هذه مهمة تقع على عواتقنا جميعاً وعلى كافة الأصعدة.
شعبنا وبلدنا اليوم، وبعد مضي ثلاثة عقود على أكبر حدث وقع في هذا البلد بعد دخول الإسلام إليه - أي قيام النظام الإسلامي وهذا أكبر حدث - لفت إليه أنظار العالم الإسلامي وليس المنطقة وحسب، بل ترك بصماته على المعادلات السياسية في العالم، وقد حقّق الشعب والحمد لله في هذه الأعوام الثلاثين تقدماً كبيراً في المرافق المختلفة من المناسب اليوم أن ينظر مفكرو البلد إلى أفق المستقبل ويروا ما الذي يريدونه وماذا يريدون أن يفعلوا. العالم الإسلامي عالم مشتّت ومتفرّق.
المسلمون رغم توفرهم على القرآن وعلى أمتن التعاليم وأقواها يعانون من التخلف لأسباب شتى. ما هي هذه العوامل؟ ينبغي معرفتها. يتعين أن تنصبّ همة شعب إيران على الوصول إلى محطّة تتحول فيها جميع سلوكياته وحركاته وسكناته ونتاجاته الفكرية إلى مرجعية متقنة أكيدة للشعب في العالم الإسلامي. لِيجدَ مفكرو الشعوب ومثقفوها الطريق.
هذه هي المسؤولية التاريخية التي تقع على الشعب الإيراني. وهذا هو الطريق الممتد أمامنا بشكل طبيعي. علينا السير في هذا الطريق وقطعه بصورة صحيحة. لنتحرك بثقة بالنفس. لنأخذ معنا إلى الساحة كل قدراتنا وطاقاتنا البشرية والفكرية ومواهبنا التي منحها الله تعالى لنا، عندئذ سيتغيّر مصير العالم الإسلامي، وتبعاً له مصير العالم.
العالم يسير حالياً في طريق سيئ. ويعيش أوضاعاً سيئة. الأخلاق تُسحق في العالم. والشعوب تعاني وتتألم من هذا الانحطاط الأخلاقي، ومفكرو الشعوب متنبهون لهذه الخسارة الكبرى، ويبدون انزعاجهم وقلقهم، وهذا ما يمكن أن يلاحظ من كلامهم وآرائهم. يمكن السير في طريق تنقذ البشرية مما هي فيه.
هذا المصير المفزع الماثل أمام البشرية يمكن تغييره، والخطوة الأولى أن نوجد في أنفسنا ذلك التحرك الكبير والتحول العظيم.
والأمر يبدأ من التربية والتعليم. لقد توفرت البُنى التحتية والحمد لله طوال هذه السنوات الثلاثين في القطاعات المختلفة بشكل جيد. يمكن التحرك على أساس هذه البُنى التحتية.
المسؤولية ثقيلة والطريق طويل والعمل صعب، ولكن في نهاية الطريق يلوح الضياء والنور الذي يمنحه الله، وبوسع المرء أن يرى ذلك. نهاية الطريق مشرقة، والأفق مشرق، ويمكن السير في هذا الطريق بصورة جيدة. هناك حالات عِداء ضدنا.
أي نجاح يحرزه الشعب الإيراني يؤدي إلى أن يشعر بعضهم في العالم بالإخفاق. الأقوياء يصطفّون بشكل طبيعي إزاء هذه التحركات غير المنسجمة مع مصالحهم غير المشروعة.
هذا ليس بالشيء العجيب وغير المتوقّع، إنما هو شيء متوقع بالنسبة لكل شعب يدخل ساحة الكفاح الحياتي العظيم.. شيء متوقع. واصل شعبنا مسيرته هذه منذ بداية الثورة وإلى اليوم مواجهاً هذه العقبات والموانع.
هذه ليست بشيء. هذه التهديدات والكلمات التي يطلقونها وحالات المعارضة والعرقلة التي تصدر عنهم، أثبتت تجربة الشعب الإيراني أن لا تأثير لها في مسيرة الشعب ولن تؤدي إلى إبطاء حركته وسيواصل الشعب مسيرته وطريقه. المهم أن يعرف كل شخص دوره, أن يعرف كل شخص أينما كان واجبه الملقى على عاتقه بنحو صحيح ويقوم به. وسوف يساعدنا الله بمشيئته عزَّ وجلَّ.
نتمنى أن يتابع المسؤولون المحترمون في وزارة التربية والتعليم هذه العملية الكبيرة بهمة عالية وعمل دؤوب مضاعف وسعي متظافر إن شاء الله في ضوء هذه الحقائق المهمة والمسؤوليات الجسيمة المذكورة. وسوف تحققون أنتم المعلمين الأعزاء أينما كنتم من أرض البلاد هذا العمل بتفاؤل وتوكل على الله تعالى ونظرٍ إلى رحمته وهدايته وأجره.
نتمنى أن يثيبكم الله جميعاً، ويسرَّ أرواح شهدائنا الأبرار الطاهرة الذين وفّروا لشعبنا هذه الفرصة والإمكانية للخوض في قضاياه الأساس.
ندعو أن يحشر الله تعالى الروح الطاهرة لإمامنا الجليل فاتح هذا الدرب أمامنا مع الأرواح الطيبة لأوليائه، وأن يشملكم جميعاً بالأدعية الزاكية لسيدنا بقيّة الله الإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كلمة الإمام السيد علي الخامنئي (قدس سره) بمناسبة يوم المعلم
المكان: طهران
الزمان: 20/4/1431.ق
4/5/2010م
* من كتاب: خطاب الولي 2010 - جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
2026-03-14

