من صفات شهر رمضان المبارك وخصائصه
إنّ إضافة الأشياء إلى الذات المقدّسة ليست إضافةً تشريفيّةً فقط، بل لها أبعادٌ أخرى، فعندما يُقَال: بيت الله، وشهر الله... فالمقصود من ذلك أنّ هذا المكان، وهذا الزمان، لهما خاصّيّات تجعلهما، كمًّا وكيفًا، أقرب إلى الفيوضات الإلهيّة، والرحمات الربّانيّة، فشهر الله تعالى هو شهرٌ من الناحية الزمانيّة، يكون فيه عباد الله أقرب لنيل الفيوضات التي هي أعظم وأتمّ في هذا الشهر من غيره، يقول النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): "دُعِيتُمْ فِيهِ إلى ضِيَافَةِ اللَّه"
عدد الزوار: 58من صفات شهر رمضان المبارك وخصائصه
الصفة الأولى: شهر رمضان شهر الله
إنّ إضافة الأشياء إلى الذات المقدّسة ليست إضافةً تشريفيّةً فقط، بل لها أبعادٌ أخرى، فعندما يُقَال: بيت الله، وشهر الله... فالمقصود من ذلك أنّ هذا المكان، وهذا الزمان، لهما خاصّيّات تجعلهما، كمًّا وكيفًا، أقرب إلى الفيوضات الإلهيّة، والرحمات الربّانيّة، فشهر الله تعالى هو شهرٌ من الناحية الزمانيّة، يكون فيه عباد الله أقرب لنيل الفيوضات التي هي أعظم وأتمّ في هذا الشهر من غيره، يقول النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): "دُعِيتُمْ فِيهِ إلى ضِيَافَةِ اللَّه"[1].
إضافة "الشهر" إلى الضمير العائد إليه تعالى، إمّا لتعظيمه، أو لبيان أنّ الصوم يختصّ به تعالى، زيادة عن باقي العبادات. وهذا المعنى يُفهَم ممّا نطق به الحديث القدسيّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ حَسَنَاتِ بَنِي آدَمَ بِعَشَرَةِ أَمْثَالِهَا، إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ قَالَ: الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أُجْزَى بِهِ"[2].
ومعنى الحديث -بعد العلم بالأخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) في آداب الصائم، كقول الإمام الصادق(عليه السلام): "إِذَا صُمْتَ، فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَشَعْرُكَ وَجِلْدُكَ..."، وقَالَ: "لا يَكُونُ يَوْمُ صَوْمِكَ كَيَوْمِ فِطْرِكَ"[3]، وكقوله (عليه السلام) أيضًا: "إِنَّ الصِّيَامَ لَيْسَ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَحْدَهُ، إِنَّ مَرْيَمَ قَالَتْ: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾[4], أَيْ صَمْتًا، فَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَنَازَعُوا، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ"[5]- أَنَّ كَفَّ النَّفْسِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الصَّوْمُ الْحَقِيقِيُّ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ سُبْحَانَهُ. وَلِذَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَأَنَا أُجْزَى بِهِ»".[6]
قال أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): "صِيَامُ الْقَلْبِ عَنِ الْفِكْرِ فِي الْآثَامِ، أَفْضَلُ مِنْ صِيَامِ الْبَطْنِ عَنِ الطَّعَامِ"[7].
الصفة الثانية: شهر رمضان
في اشتقاق شهر رمضان، أقوالٌ عديدة، أهمّها:
الأوّل: من الرمض، وهو حرّ الحجارة من شدّة حرّ الشمس، فسُمّيَ هذا الشهر رمضان، لأنّ وجوب صومه صادف شدّة الحرّ.
الثاني: مأخوذ من الرميض، وهو السحاب والمطر في آخر القيظ وأوّل الخريف، سُمّي رميضًا، لأنّه يدرأ سخونة الشمس، فسُمِّيَ هذا الشهر رمضان، لأنّه يغسل الأبدان من الذنوب والآثام، عَنِ النبيّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أَنَّهُ قَالَ: "وَإِنَّمَا سُمِّيَ رَمَضَانَ، لِأَنَّهُ تُرْمَضُ فِيهِ الذُّنُوبُ، أَيْ تُحْرَقُ"[8].
الصفة الثالثة: شهر الصيام
و"شهر الصيام" إمّا بدلٌ من "شهر رمضان"، أو عطفُ بيانٍ على جهة المدح، كما قيل في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾[9]. ولعلّ بيان هذه الصفة للتنبيه على أنّ أهمّ وظيفة عظيمة في هذا الشهر هي الصيام.
الصفة الرابعة: شهر الإسلام
و"شهر الإسلام"، أي الانقياد والطاعة، الذي هو أعلى مراتب الإيمان، وهو المراد من قوله تعالى حكايةً عن خليله: ﴿حَنِيفًا مُّسْلِمًا﴾[10]. ويجوز أن يُرَاد به معناه العامّ، فإنّ هذا الشهر من شعائر المسلمين، يُعرَفون به ويُمَيَّزون به عن غيرهم من ذوي الملل والأديان.
فشهر رمضان هو شهر الإسلام، لأسبابٍ متعدّدة، نذكر منها:
أوّلًا، الإسلام - بالمعنى اللغويّ - هو التسليم، فهذا الشهر هو شهر التسليم والطاعة والانصياع لأوامر الله ونواهيه.
ثانيًا، بمعنى ما اختصّت به هذه الأمّة من بين الأمم بفريضة الصوم، فالصوم آخر الزمان من مختصّات الأمّة الإسلاميّة.
ثالثًا، هو شهر ظهور آثار الإسلام، من صلة الرحم، والعبادة في المساجد، ومساعدة الفقراء، وقراءة القرآن...
الصفة الخامسة: الطهور
لتطهير الخلائق عن دنس المعاصي. و"الطَهور"- بالفتح والضمّ، على الروايتين: مصدرٌ بمعنى: الطهارة.
يقول تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا﴾[11], فالصوم، وقراءة القرآن، والصدقات...كلها لتطهير الإنسان من دنس العصيان.
الصفة السادسة: التمحيص
و"شهر التمحيص" لاختبارهم وتمحيصهم عن الذنوب، "والتمحيص: الابتلاء والاختبار"[12]، كقوله -تعالى-: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾[13]، أي وليبتلي اللّه الّذين آمنوا، أو محو الذنوب، قال في التحقيق في كلمات القرآن: "التمحيص هو التخليص من العيب والشوب، مع التجلية"[14]. ومنه قوله -تعالى-: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾[15]. ويُقَال في الدعاء: اللهمّ محّص عنّا ذنوبنا، أي: أزل ما علّق بنا من الذنوب"، وفي الكشّاف: "التمحيص: التطهير والتصفية"[16].
الصفة السابعة: القيام
"شهر القيام"، لأنّه ينبغي أن يقوم الشخص بالليل، أو القيام بالعبادة.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ* قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾[17].
ثانيًا: شهر نزول القرآن
قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾[18].
"قال المفسّرون: فائدة وصف الشهر بإنزال القرآن فيه التنبيهُ على علّة تخصيصه بالصوم فيه، وذلك أنّه لمّا خُصَّ بأعظم آيات الربوبيّة (وهو القرآن الكريم)، ناسب أن يخصّ باشق سمات العبوديّة (وهي الصوم)، فبقدر هضم النفس يترقّى العبد في مدارج الأنس، ويصل إلى معارج القدس[19]"[20].
القرآن نُزِّل فيه جملةً واحدةً إلى سماء الدنيا، ثمّ نُزِّل نجومًا إلى الأرض، وهو مرويٌّ عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام).
وقيل: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ جَمِيعَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) نُجُوماً فِي طُولِ عِشْرِينَ سَنَةً ."[21]
عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: "سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِهِ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾[22] كَيْفَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَ الْقُرْآنُ فِي طُولِ عِشْرِينَ سَنَةً مِنْ أَوَّلِهِ إلى آخِرِهِ؟ فَقَالَ( عليه السلام): "نَزَلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إلى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، ثُمَّ أُنْزِلَ مِنَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ فِي طُولِ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَالَ: قالَ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): نَزَلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتْ الْإِنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الزَّبُورُ لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْقُرْآنُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ"[23].
﴿هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ حالان من "القرآن"، أي حال كونه هاديًا لهم ومشتملًا على علاماتٍ ظاهرةٍ وآياتٍ باهرةٍ من"الهداية"، و"ما يفرّق به بين الحقّ والباطل".
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنِ الْقُرْآنِ وَالْفُرْقَانِ، قَالَ: "الْقُرْآنُ جُمْلَةُ الْكِتَابِ وَأَخْبَارُ مَا يَكُونُ، وَالْفُرْقَانُ الْمُحْكَمُ الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ، وَكُلُّ مُحْكَمٍ فَهُوَ فُرْقَانِ"[24].
* من كتاب: زاد القلوب في شهر الله من سلسلة زاد المبلغ - دار المعارف الإسلامية الثقافية
[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج 10، ص313.
[2] الطبرسيّ، الميرزا حسين النوريّ، مستدرك الوسائل، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، لبنان - بيروت، 1408ه - 1987م، ط1، ج7، ص501.
[3] الكلينيّ، الشيخ محمّد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، تحقيق وتصحيح عليّ أكبر الغفاريّ، دار الكتب الإسلاميّة، إيران - طهران، 1363ش، ط5، ج4، ص87.
[4] القرآن الكريم، سورة مريم، الآية 26.
[5] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مصدر سابق، ج2، ص108.
[6] الشيرازيّ، السيد محمّد باقر الحسينيّ، لوامع الأنوار العرشيّة في شرح الصحيفة السجّاديّة، صحّحه وعلّق عليه: مجيد هادي زاده، مركز البحوث الكمبيوتريّة التابع لحوزة أصفهان العلميّة، ج5، ص16.
[7] الآمديّ، غرر الحكم ودرر الكلم، مصدر سابق، ص422.
[8] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج7، ص546.
[9] القرآن الكريم، سورة المائدة، الآية 97.
[10] القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 67.
[11] القرآن الكريم، سورة الفرقان، الآية 48.
[12] الجوهريّ، إسماعيل بن حمّاد، الصحاح، تحقيق أحمد عبد الغفور العطار، دار العلم للملايين، لبنان - بيروت، 1407ه - 1987م، ط4، مادّة (محص)، ج 3، ص1056.
[13] القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 141.
[14] الشيخ حسن، المصطفويّ، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، مصدر سابق، ج6، ص208.
[15] القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 154.
[16] الزمخشريّ، الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، شركة مكتبة ومطبعة الحلبيّ، مصر، 1385ه - 1966م، لا.ط، ج1، ص466.
[17] القرآن الكريم، سورة المزمل، الآيات 1-4.
[18] القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 185.
[19] فسلوك المراتب العالية يحتاج إلى مجاهدة النفس والجِدِّ والتعب في العبادة.
[20] السيّد علي خان المدني الشيرازيّ، رياض السالكين، مصدر سابق، ج6، ص26.
[21] الشيخ الطبرسي، تفسير مجمع البيان، مصدر سابق، ج2، ص14.
[22] القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 185.
[23] العيّاشيّ، محمّد بن مسعود، تفسير العيّاشيّ، تحقيق الحاج السيّد هاشم الرسوليّ المحلّاتيّ، المكتبة العلميّة الإسلاميّة، إيران - طهران، لا.ت، لا.ط، ج1، ص80.
[24] تفسير العياشيّ، مصدر سابق، ج1، ص9.


