يتم التحميل...

القيم الأخلاقية والاجتماعيّة لشهر رمضان

عن رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم):"أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ حَسَّنَ مِنْكُمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ خُلُقَهُ، كَانَ لَهُ جَوَازاً عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ"

عدد الزوار: 28

القيم الأخلاقية والاجتماعيّة لشهر رمضان

عن رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم):"أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ حَسَّنَ مِنْكُمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ خُلُقَهُ، كَانَ لَهُ جَوَازاً عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ"[1].
 
1- بناء الإرادة والتمرّس على الصبر
قال عزّ وجلّ: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾[2]. فقد ورد في تفسير الآية عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قال: "إِذَا نَزَلَتْ بِالرَّجُلِ النَّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ﴾، يعني الصيام[3]. وورد في الحديث القدسيّ أن الله (عزّ وجلّ) قال: "كُلُّ أَعْمَالِ ابْنِ آدَمَ بِعَشَرَةِ أَضْعَافٍ إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلَّا الصَّبْرَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصَّبْرُ، الصَّوْم"[4].
 
2- التحلّي بالفضائل
التخلّي عن الأخلاق السيّئة والتحلّي بمكارم الأخلاق، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ حَسَّنَ مِنْكُمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ خُلُقَهُ، كَانَ لَهُ جَوَازاً عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَام"[5].
 
3- محاسبة النفس
إنّ من أهمّ ما تؤخذ به النفس هو المحاسبة لها دائماً على أفعالها، لأنَّ المحاسبة تساهم:
- في إظهار رغبة الإنسان في الفضيلة، وحرصه على أخذ نفسه بالحقّ، فيتعهّد منها ذلك دائماً.
- في مراقبة نموّ الكمال في نفسه، فيشتدّ في مزيد من فعل الخير وتلافي النقص الواقع فيه، ويشتدّ في مواجهة الرذائل الموجودة واستئصالها إذا أمكن، أو التخفيف منها حسب الوسع والطاقة.
- إنّ هذه المحاسبة تجسّد خشية الإنسان من الله تعالى والخوف من الموقف للحساب أمامه، ليكون دائماً مستعدّاً للموت، واعياً لمخاطره وعواقبه. روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنَّه قال: "حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوهَا قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، وَتَجَهَّزُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ"[6].
 
وعن الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أنَّه قال: "مَا أَحَقَّ الْإِنْسَانَ أَنْ تَكُونَ لَهُ سَاعَةٌ لَا يَشْغَلُهُ شَاغِلٌ، يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، فَيَنْظُرُ فِيمَا اكْتَسَبَ لَهَا وَعَلَيْهَا فِي لَيْلِهَا وَنَهَارِهَا"[7].
 
وعن الإمام عليّ (عليه السلام) أنَّه قال: " "ثَمَرَةُ الْمُحَاسَبَةِ صَلَاحُ النَّفْسِ "[8].
 
4- تكثيف الحضور المسجديّ في شهر الله
إنّ المساجد من أهمّ الأماكن المليئة بالأجواء الإيمانيّة التي تساهم في الرقيّ الروحيّ للمؤمن. جاء عن الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): "مَنِ اخْتَلَفَ إِلَى الْمَسْجِدِ أَصَابَ إِحْدَى ثَمَانٍ: أَخاً مُسْتَفَاداً فِي اللَّهِ، أَوْ عِلْماً مُسْتَطْرَفاً، أَوْ آيَةً مُحْكَمَةً، أَوْ يَسْمَعُ كَلِمَةً تَدُلُّ عَلَى هُدًى، أَوْ رَحْمَةً مُنْتَظَرَةً، أَوْ كَلِمَةً تَرُدُّهُ عَنْ رَدًى، أَوْ يَتْرُكُ ذَنْباً خَشْيَةً أَوْ حَيَاء"[9].
 
ومن الأعمال المهمّة في شهر رمضان طلب العلم والمعرفة، والتفقّه في الدين، والتحلّي بالثقافة الدينيّة الصحيحة. قال أمير المؤمنين الإمام  عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): "يَا كُمَيْلُ، مَا مِنْ حَرَكَةٍ إِلَّا وَأَنْتَ مُحْتَاجٌ فِيهَا إِلَى مَعْرِفَةٍ"[10].
 
القيم الاجتماعيّة
شهر رمضان إلى جانب كونه مناسبة دينيّة، فهو مناسبة لها طابعها الاجتماعيّ، الذي يجعل من شهر رمضان مناسبة اجتماعيّة لتحقيق العديد من الأمور، ومنها:

أ- عن الفضل بن شاذان عن الإمام علي الرضا (عليه السلام) قال: ""إِنَّمَا أُمِرُوا بِالصَّوْمِ لِكَيْ يَعْرِفُوا أَلَمَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، فَيَسْتَدِلُّوا عَلَى فَقْرِ الْآخِرَةِ، وَلِيَكُونَ الصَّائِمُ خَاشِعاً، ذَلِيلاً، مُسْتَكِيناً، مَأْجُوراً، مُحْتَسِباً، عَارِفاً، صَابِراً عَلَى مَا أَصَابَهُ مِنَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، فَيَسْتَوْجِبَ الثَّوَابَ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْإِمْسَاكِ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَيَكُونَ ذَلِكَ وَاعِظاً لَهُمْ فِي الْعَاجِلِ وَرَائِضاً لَهُمْ فِي أَدَاءِ مَا كَلَّفَهُمْ، وَدَلِيلاً لَهُمْ فِي الْآجِلِ، وَلِيَعْرِفُوا شِدَّةَ مَبْلَغِ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ فِي الدُّنْيَا، فَيُؤَدُّوا إِلَيْهِمْ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ"[11] .
 
ب- المساواة بين الغنيّ والفقير: إنّ الصوم من أهم الوسائل الاجتماعيّة التي تجعل الغنيّ والفقير في مرتبة واحدة، فكلاهما ممنوع من تناول الطعام والشراب، وغير ذلك، فالأحكام الشرعيّة لكليهما متساوية، ورد عن هشام بن الحكم أنّه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصيام؟ فقال: "إِنَّمَا فَرَضَ الصِّيَامَ لِيَسْتَوِيَ بِهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْغَنِيَّ لَمْ يَكُنْ لِيَجِدَ مَسَّ الْجُوعِ فَيَرْحَمَ الْفَقِيرَ لِأَنَّ الْغَنِيَّ كُلَّمَا أَرَادَ شَيْئاً قَدَرَ عَلَيْهِ، فَأَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ خَلْقِهِ، وَأَنْ يُذِيقَ الْغَنِيَّ مَسَّ الْجُوعِ وَالْأَلَمِ لِيَرِقَّ عَلَى الضَّعِيفِ وَيَرْحَمَ الْجَائِعَ"[12].
 
ج- التصافي النفسيّ: التصافي بين المؤمنين (إبراء الذمم المتبادل) بالعفو عنهم وطلب العفو عن الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: "قَالَ لِي النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ): أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَكْرَمِ أَخْلَاقِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؟ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَأَنْ تُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَأَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ "[13] .
 
د- حلّ الخلافات: حلّ الخلافات وفكّ المنازعات بين الناس، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾[14].
 
هـ- صلة الأرحام: إنّ صلة الأرحام من المفاهيم الإسلاميّة الأساسيّة في العلاقات الاجتماعيّة، وخصوصاً في شهر رمضان، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ"[15]. "وَمَنْ وَصَلَ فِيهِ رَحِمَهُ، وَصَلَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ يَوْمَ يَلْقَاهُ.."
 
و- التواصل مع الأصدقاء: إنّ النفوس في شهر رمضان تكون بحسب العادة أكثر اطمئناناً وسكينة، فإنّ التلاقي بين المؤمنين سيكون أكثر مودّة ومحبّة واحتراماً. روي عن بكر بن محمّد الأزدي، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)، يقول: "مَا زَارَ مُسْلِمٌ أَخَاهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا نَادَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَيُّهَا الزَّائِرُ طِبْتَ، وَطَابَتْ لَكَ الْجَنَّةُ"[16].
 
ز- تفقّد المحتاجين: تفقّد الضعفاء والفقراء والمحتاجين وذوي المسكنة من أبناء المجتمع، ممّن هم بأمسّ الحاجة للمعونة والمواساة، قال رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا السياق أيضاً: "وَتَصَدَّقُوا عَلَى فُقَرَائِكُمْ وَمَسَاكِينِكُمْ"[17].

ح- حسن التعامل مع الكبار والصغار: قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "وَوَقِّرُوا كِبَارَكُمْ، وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ" "[18].
 
ط- إكرام الأيتام: قال (صلى الله عليه وآله وسلم): " وَمَنْ أَكْرَمَ فِيهِ يَتِيماً، أَكْرَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ يَلْقَاهُ "[19] .
 
ي- تفطير الصائم: قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "وَمَنْ فَطَّرَ مِنْكُمْ مُؤْمِناً صَائِماً فِي هَذَا الشَّهْرِ، كَانَ لَهُ بِذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ، وَمَغْفِرَةٌ لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ"[20].
 
* من كتاب: زاد الهدى في شهر الله- سلسلة زاد المبلغ - دار المعارف الإسلامية الثقافية


[1] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج7، ص228.
[2] القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 45.
[3] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج7، ص298.
[4] المصدر نفسه، ص295.
[5] المصدر نفسه، ص228.
[6] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج11، ص380.
[7] الطبرسي، الميرزا حسين النوري، مستدرك الوسائل، تحقيق مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، لإحياء التراث، لبنان - بيروت، 1408هـ، ط1، ج12، ص155.
[8] المصدر نفسه، ج12، ص155.
[9] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج3، ص480.
[10] المجلسيّ، العلّامة محمّد باقر بن محمّد تقي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، مؤسّسة الوفاء، لبنان - بيروت، 1403ه - 1983م، ط2، ج74، ص267.
[11] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج7، ص4.
[12] المصدر نفسه، ص3.
[13] الطبراني، المعجم الأوسط، قسم التحقيق بدار الحرمين، دار الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع، 1415 - 1995م، لا.ط،ج5، ص364.
[14] القرآن الكريم، سورة الأنفال، الآية 46.
[15] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق،ج7، ص227.
[16] الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه، مصادقة الإخوان، إشراف: السيّد عليّ الخراسانيّ الكاظميّ، مكتبة الإمام صاحب الزمان العامّة، لا.ت، لا.ط، ص56.
[17] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج7، ص227.
[18] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج7، ص227.
[19] المصدر نفسه، ص 228.
[20] المصدر نفسه، ص99.

2026-02-18