التمهيد الإلهي للبعثة المباركة
إنّ تعليم وتأديب الأنبياء (عليهم السلام) - باعتبارهم تلامذة حضرة الأحديّة (الواحد الأحد) الخاصّين - أمرٌ موجود، إلّا أنّ البعثةَ، أمرٌ إضافي على التعليم. في البعثة، هناك التعليم والتهذيب والتزكية أيضًا، وفيها الإتيان بالكتاب والحكمة، إلّا أنّ هذه الأمور ليست كلّ شيء، بل هناك شيء يُضاف على ذلك وهو البعث.
عدد الزوار: 21التمهيد الإلهي للبعثة المباركة
التربية الإلهيّة
إنّ تعليم وتأديب الأنبياء (عليهم السلام) - باعتبارهم تلامذة حضرة الأحديّة (الواحد الأحد) الخاصّين - أمرٌ موجود، إلّا أنّ البعثةَ، أمرٌ إضافي على التعليم. في البعثة، هناك التعليم والتهذيب والتزكية أيضًا، وفيها الإتيان بالكتاب والحكمة، إلّا أنّ هذه الأمور ليست كلّ شيء، بل هناك شيء يُضاف على ذلك وهو البعث[1].
لقد ربّى الله تعالى الشخصيّة الروحيّة والأخلاقيّة لذاك العظيم في ظروفٍ وهيّأها لتتمكّن من حمل الأمانة العظيمة.
وعلى هذا الأساس، كانت تزداد القابليّة الروحيّة لهذا الطفل الذي أُوكلت إليه مهمّة تربية عالَمٍ، بناءً على سعته الوجوديّة والأخلاقيّة. وتجذّرت في هذا الطفل الخصال الأخلاقيّة المتعالية، الشخصيّة الإنسانيّة العزيزة، الصبر والتحمّل الكبيران، التعرّف على الآلام والعذابات التي قد تواجه الإنسان أثناء الطفولة[2].
لن يوكل الله تعالى أمر هذه المسؤوليّة الخطيرة والعظيمة إلى من لم يحظَ بأعلى مستويات مكارم الأخلاق، لذلك خاطب الله تعالى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في أوائل البعثة: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[3].
إنّ بناء وصقل شخصيّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ليصبح محلًّا مناسبًا للوحي الإلهي، هي مسألة تعود إلى مرحلة ما قبل البعثة، لذلك جاء أنّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي اشتغل في شبابه بالتجارة، حيث كان يحصل على أموالٍ كثيرة من هذا الطريق، كان يتصدّق بجميع هذه الأموال على الفقراء. في هذه المرحلة التي هي المرحلة الأخيرة للتكامل النبوي وقبل نزول الوحي - المرحلة السابقة على النبوّة - كان الرسول يقصد جبل حراء وينظر إلى الآيات الإلهيّة: إلى السماء، والنجوم، والأرض، والخلائق التي تعيش على الأرض والتي تحمل عواطف وأحاسيس متنوّعة طبق أساليب متعدّدة. كان يرى آيات الله تعالى في كلّ ذلك وكان يزداد خضوعه يومًا بعد يوم مقابل الحقّ، ويزداد خشوع قلبه مقابل الأمر والنهي الإلهيّين والإرادة الإلهيّة وتنمو فيه بذور الأخلاق الحسنة. وفي الرواية أنّه: "كان أعقل الناس وأكرمهم"[4]. وكان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل البعثة يزداد غنًى (كمالاً) يومًا بعد يوم حتّى وصل إلى الأربعين. "فلمّا استكمل أربعين سنة ونظر الله عزّ وجل إلى قلبه، وجده أفضل القلوب وأجلّها وأطوعها وأخشعها وأخضعها"[5]، في عمر الأربعين أصبح قلبه منوَّرًا وخاشعًا وأكثر القلوب استعدادًا لتلقّي النداء الإلهي.
"أَذِنَ لأبواب السماء، ففُتحت، ومحمّد ينظر إليها"[6]. عندما وصل إلى هذه المرحلة من المعنويّة والروحانيّة والنورانيّة وأوجّ الكمال، فتح الله تعالى أمامه أبواب السماء وأبواب عوالم الغيب، وفتح عينيه على العوالم المعنويّة والغيبيّة. "وأَذِن للملائكة فنزلوا ومحمد ينظر إليهم"[7]، كان يرى الملائكة ويكلّمهم، ويسمع كلامهم حتّى نزل إليه جبرائيل الأمين وقال: ﴿اقْرَأْ﴾[8] وكانت بداية البعثة[9].
الارتباط بعالم الغيب
إنّ ينبوع البعثة التي فاضت وجرت في قلب النبيّ الأكرم المقدّس (صلى الله عليه وآله وسلم)، كان له مسار مهمّ، فالمسألة لا تنتهي عند حدود أن يضيء الله حقيقةً ونورًا في قلب إنسان مميّز وبارز واستثنائي، هذه هي الخطوة الأولى وهي بداية العمل. طبعًا، هنا الجزء الأهمّ في القضيّة. إنّ إشعاع هذا النور في قلب الرسول المقدّس والمبارك وتحمّله مسؤوليّة الوحي، هو ذاك الجزء الذي يصل (يربط) - وبشكلٍ صريح - عالم الخلق وعالم الوجود الإنساني والمادّي بمعدن الغيب. هنا تكمن حلقة الوصل. وعلى الرغم من أنّ البركات الإلهيّة كانت حاضرة دائمًا، طيلة المسيرة التي سنشير إليها - فيما يتعلّق بالبشر وفيما يتعلّق بهذا الطريق - فإنّ حلقة الوصل قد تجلّت في لحظة البعثة التي انسابت وجرت من عالم الغيب، منبع الحقائق الإلهيّة ومنبع البعثة - وهذه الكلمة كافية - إلى روح الرسول المقدّسة وفاضت على قلبه (صلى الله عليه وآله وسلم). فالخطوة الأولى، هي حصول هذه البعثة[10].
* من كتاب: الشخصية القياديّة (للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلّم) – سلسلة في رحاب الولي الخامنئي(دام ظله)- جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
[1] من كلام الإمام السيد علي الخامنئي(دام ظله) في لقاء مسؤولي النظام (19/9/1375)(9/12/1996 م.).
[2] خطبتا صلاة الجمعة في طهران للإمام السيد علي الخامنئي (دام ظله) (23/2/1379).
[3] القرآن الكريم،سورة القلم، الآية 4.
[4] العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 17، ص 307، الطبعة الثانية المصححة، 1403 ـ 1983م، مؤسسة الوفاء، بيروت ـ لبنان.
[5] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 17، ص 307.
[6] م. ن.
[7] م. ن.
[8] القرآن الكريم، سورة العلق، الآية 1.
[9] من كلام للإمام السيد علي الخامنئي (دام ظله) في لقاء مسؤولي النظام وضيوف مؤتمر الوحدة الإسلاميّة (31/5/1385).
[10] من كلامه في لقاء مسؤولي النظام (19/9/1375).


