يتم التحميل...

علم المرأة في الإسلام وتحصين الهوية الثقافية

تحيط بالإنسان مجموعة من الواجبات التي يتوجّب عليه أداؤها، إلاّ أنّه كما أوجب الله عليه أمورًا من قبيل الصلاة والصوم، فإنّه حباه بحقوق متعدّدة، كحقّ الملكيّة، والعمل، والاحترام. وهذه الحقوق والواجبات هي ضمن الخطّة الإلهيّة المرسومة لبلوغ الإنسان إلى كماله اللائق به.

عدد الزوار: 49

علم المرأة في الإسلام وتحصين الهوية الثقافية

تحيط بالإنسان مجموعة من الواجبات التي يتوجّب عليه أداؤها، إلاّ أنّه كما أوجب الله عليه أمورًا من قبيل الصلاة والصوم، فإنّه حباه بحقوق متعدّدة، كحقّ الملكيّة، والعمل، والاحترام. وهذه الحقوق والواجبات هي ضمن الخطّة الإلهيّة المرسومة لبلوغ الإنسان إلى كماله اللائق به.
 
وهذه الحقوق والواجبات تتفاوت في بعضها بين الرجل والمرأة. ومن الحقوق المهمّة الّتي شدّد عليها الإسلام، حقّ التعلّم. فهل يشمل هذا التفاوت حقّ التعلّم على نحو يكون للرجل دون المرأة، أم هو لكلّ منهما، لكن يتمتّع الرجل بنصيب أكبر من هذا الحقّ؟
 
ربّما تكون الحاجة إلى الإجابة عن هذه الأسئلة أكبر في ظلّ الحملات الإعلاميّة التي يشنّها الغرب لتشويه صورة الإسلام، والتي يعدّ تشويه صورة المرأة المسلمة أحد أعمدتها. فيحاول هؤلاء إشاعة فكرة مفادها أنّ الإسلام سلب المرأة حقوقها، ومنها حقّ التعلّم. فما هو رأي الإسلام؟
 
عندما ننظر نظرة كلّيّة إلى الإسلام، نجد تأكيد قيمة العلم كقيمة أساسيّة فيه، إذ يقول تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾[1]. فالعلم ملاك ومعيار للأفضليّة، وهو ما تؤكدّه الكثير من الآيات الأخرى، من قبيل: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾[2]. بل إنّ العلم والتعلّم قرينا الإنسان منذ بدء الخليقة، حيث ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا﴾[3], وإنّ أوّل وحي قرآنيّ نزل به جبرائيل (عليه السلام) على رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم )كان: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾[4].
 
فمن بداية الوحي إلى تفاصيل الأحداث، نجد الحضور القويّ لقيمة العلم في الإسلام. فمثلًا، جعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المقابل لإطلاق أسرى الحروب، تعليمهم المسلمين القراءة والكتابة.
 
وقد ورد في الروايات الكثيرة الحثّ على طلب العلم، نذكر منها نموذجين:
• "اطلب العلم من المهد إلى اللحد"[5]. فلا محدوديّة في طلب العلم، والحثّ على طلبه يبقى إلى آخر لحظات عمر الإنسان بلا فرق بين المرأة والرجل.
 
• "من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا، سلك الله به طريقًا إلى الجنّة"[6].
 
فهل تتوجّه هذه الخطابات إلى الرجل دون المرأة؟ وكيف نثبت أنّ علم المرأة من الأمور التي أرادها الإسلام؟
وبعبارة أخرى، كيف نثبت أنّ الإسلام أعطى المرأة حقّها في التعلّم؟
قبل الخوض في الأدلّة والشواهد على حثّ الإسلام وتشجيعه المرأة على التعلّم، لا بدّ أوّلًا من الإطلالة على مبرّرات تعلّم المرأة. فلماذا على المرأة أن تتعلّم؟
 
دوافع تعلّم المرأة
هناك الكثير من الدوافع والمبرّرات التي تجعل العلم ضرورةً لا يمكن الاستغناء عنها عند المرأة. نذكر أهمّها:
1- الأخذ بيد الإنسان للوصول إلى الغاية من خلقه: إذ يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[7]. وسبيل الوصول إلى العبوديّة والعبادة الحقّة هي المعرفة. فعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "إنّ الإمام الحسين خطب أصحابه فقال:
"إنّ اللّه عزّ وجلّ ما خلق العباد إلّا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه"[8].
 
فالغاية من الخلق هي العبوديّة ومعرفة الله. وبالعلم الذي يرتسم على صفحات القلب، يصبح الإنسان عبدًا لله. ولا ريب في أنّ هذه الغاية مشتركة بين الرجل والمرأة، ومن دون العلم لا يمكن الوصول إليها.
 
كما أنّ من آثار العلم بالله تحقّق الخشية، بل سبيل الخشية الوحيدة هي العلم، وذلك بشهادة القرآن الكريم الذي يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾[9], فـ"إنّما" أداة حصر، وبالتالي لا تحقّق للخشية من دون دخول الإنسان في زمرة العلماء الحقيقيّين.
 
2- الفطرة الإنسانيّة الطالبة للعلم:
الإنسان مفطور على طلب العلم، وهو منذ نعومة أظفاره باحثٌ عن معرفة المجهولات، وساعٍ للكشف عنها. وهذه الفطرة جعلها الله عزّ وجلّ في أعماق كلّ من الرجل والمرأة. والله عزّ وجلّ الحكيم، عندما يجعل طلبًا ما أصيلًا في الإنسان، فإنّه كما هيّأ له متعلّقه، يريد منه أن يطلبه. والعلم هو كمالٌ في نفسه، تطلبه كلّ نفس لم تتشوّه فطرتها. ودور الأنبياء هو تحريك هذه الفطرة الطالبة للعلم وإثارتها، روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في حكمة بعث الأنبياء (عليهم السلام): "ليثيروا لهم دفائن العقول"[10].
 
3- تقوية العقل والوصول إلى الرشد الفكريّ والروحيّ: في العموم، هناك علاقة متينة ما بين العلم والرشد الفكريّ، إذ الكثير من المشاكل التي تواجه الإنسان في حياته تعود إلى الجهل وعدم الوصول إلى مرحلة النضج الفكريّ. ومن الطبيعيّ أن يكون الرشد الفكريّ والروحيّ من أهداف الإسلام التي لا تُستثنى المرأة من ضرورة بلوغها، والتي لا تتيسّر من دون التعلّم.
 
يقول الإمام السيد علي الخامنئيّ (دام ظله): "... الإسلام يريد أن يبلغ الرشد الفكريّ والعلميّ والاجتماعيّ والسياسيّ وأهمّ من ذلك كلّه أن يبلغ رشد الروح والفضيلة عند المرأة حدّه الأعلى، وأن يكون لوجودها، كعضو في المجتمع وفي الأسرة البشريّة، أعلى الفوائد والثمار. وكلّ تعاليم الإسلام تسعى إلى ذلك"[11]. ويقول أيضًا:
"إنّ‏ دِراسة النساء أمرٌ مهمّ جدًا بهدف اكتساب المعرفة، ومهمّة من أجل رفع مستوى الرشد الفكريّ..."[12].
 
4- التحصين للمرأة من الغزو الثقافيّ: في ظلّ الهجمة الثقافيّة الشرسة على المرأة، يصبح طلب العلم آكد لها، إذ تحتاج المرأة إلى أن تكون محصّنة بشدّة على المستوى الفكريّ.
يقول سماحة الإمام السيد علي الخامنئيّ(دام ظله): "دعوا فتياتنا يدرسن ويكسبن العلم والوعي، ليقفن على شأنهنّ ويعرفن قدر أنفسهنّ، وليدركن مدى عقم دعايات الاستكبار العالميّ حول المرأة وتفاهتها وخوائها. ومثل هذه الأمور يمكن إدراكها في ظلّ الثقافة.
 
فأكثر فتياتنا تديّنًا وثوريّة وعفّة وإيمانًا اليوم، هنَّ من بين الشرائح المتعلّمة. أمّا من يبغين الانسياق الأعمى وراء النموذج الغربيّ في نمط الملابس وطراز الحياة، فهنَّ على الغالب فارغات من الثقافة والمعرفة والمعلومات الكافية. ومن لديه معلومات كافية يمكنه التحكّم بسلوكه، والانقياد لكلّ ما هو حقّ وحقيقة وجميل"[13].
 
تبيّن ممّا تقدّم، أنّ مبرّرات العلم ليست مختصّة بالرجل وحده، بل هي شاملة للمرأة أيضاً.
 
* من كتاب: أدوار المرأة وواجباتها – سلسلة المعارف التعليمية- دار المعارف الإسلامية الثقافية


[1] القرآن الكريم، سورة المجادلة، الآية 11.
[2] القرآن الكريم، سورة الزمر، الآية 9.
[3] القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 31.
[4] القرآن الكريم، سورة العلق، الآية 1.
[5] عليّ بن إبراهيم القميّ، تفسير القميّ، تصحيح وتعليق وتقديم السيّد طيب الموسويّ الجزائريّ، مؤسّسة دار الكتاب للطباعة والنشر، إيران - قم، 1404ه، ط3، ج2، ص401.
[6] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، ص34.
[7] القرآن الكريم، سورة الذاريات، الآية 56.
[8] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، علل الشرائع، تقديم السيّد محمّد صادق بحر العلوم، المكتبة الحيدريّة، العراق - النجف، 1385 - 1966م، لا.ط، باب علّة خلق الخلق واختلاف أحوالهم، ج1، ص9.
[9] القرآن الكريم، سورة فاطر، الآية 28.
[10] السيد الرضي، نهج البلاغة، ص43.
[11] لجنة التأليف في مركز المعارف للتأليف والتحقيق، المرأة علم عمل جهاد، ص11.
[12] المصدر نفسه، ص12.
[13] خطاب الإمام الخامنئيّ (دام ظله) بمناسبة زيارة محافظة آذربيجان، بحضور جموع من النساء في محافظة آذربيجان، بتاريخ 04/05/1417ه.ق.

2026-01-05