يتم التحميل...

وصايا أربعة

رجب

عنِ الإمام محمَّدِ بنِ عليٍّ الجوادِ (عليه السلام): «كَيْفَ يَضِيعُ مَنِ اللَّهُ كَافِلُهُ! وَكَيْفَ يَنْجُو مَنِ اللَّهُ طَالِبُهُ! وَمَنِ انْقَطَعَ إلى غَيْرِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَمَنْ عَمِلَ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ أَفْسَدَ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ»

عدد الزوار: 99

عنِ الإمام محمَّدِ بنِ عليٍّ الجوادِ (عليه السلام): «كَيْفَ يَضِيعُ مَنِ اللَّهُ كَافِلُهُ! وَكَيْفَ يَنْجُو مَنِ اللَّهُ طَالِبُهُ! وَمَنِ انْقَطَعَ إلى غَيْرِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَمَنْ عَمِلَ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ أَفْسَدَ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ»[1].

يُحدِّثُنا الإمامُ الجوادُ (عليه السلام) عنْ أمورٍ أربعةٍ للالتفاتِ إليها تأثيرٌ بالغٌ في حياةِ الإنسان على مستوى السلوكِ والتصرّفاتِ التي تصدرُ عنه:

1ـ الكفالةُ الإلهيّة: الكونُ كلُّه خاضعٌ للإرادةِ الإلهيّة، ومَنْ كانَ اللهُ عزَّ وجلَّ يتعهَّدُ لهُ أمرَه، فهوَ الضامنُ لهُ منْ أنْ لا يكونَ لهُ حاجةٌ إلى غيرِه، أو مِنْ أنْ لا ينالَه أحدٌ بسوءٍ أو يطالبَه بأمرٍ يعجزُ عَنِ القيامِ به؛ وبهذا لا يضيعُ حتَّى لوِ اجتمعَ الناسُ عليه؛ إذِ اللهُ عزَّ وجلَّ هو الحافظُ له، ولا يمكنُ ضياعُ أحدٍ في دائرةِ الحفظِ الإلهيّ، قالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾[2].

نعم، يحتاجُ ذلكَ إلى التزامٍ مِنَ العبدِ بالوفاءِ للهِ عزَّ وجلَّ، مِنْ خلالِ العملِ بما أمرَ به، والانتهاءِ عمَّا نهى عنه، قالَ تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾[3].

2ـ انعدامُ فُرَصِ النجاة: قدْ يتمكَّنُ الإنسانُ مِنَ النجاةِ مِنْ مخلوقٍ مثلِه إذا كانَ مديناً لهُ يطالبُه بأمرٍ مِنَ الأمور؛ أمَّا مَنْ كانَ فعلُه التقصيرَ في أداءِ حقِّ اللهِ عزَّ وجلَّ، فلا مجالَ لهُ في النجاة، وكيفَ ينجو مِنْ خالقِه! فلا ملجأَ لأحدٍ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ إلَّا أنْ يلجأَ إليهِ تعالى؛ فمَن يكُنْ للهِ عزَّ وجلَّ ولأوليائِه محارباً أو متَّخذاً هواهُ إلهاً أو معلِناً بالفسقِ فلا نجاةَ له، فعنِ الإمامِ الصادقِ (عليه السلام): «إنّي لَأَرجُو النَّجاةَ لهذهِ الأُمّةِ لِمَن عَرَفَ حَقَّنا مِنهُم إلّا لأحَدِ ثلاثةٍ: صاحبِ سُلطانٍ جائرٍ، وصاحِبِ هَوى، والفاسِقِ المُعلِنِ»[4].

3ـ الانقطاعُ لغيرِ الله: فصاحِبُ الإيمانِ لا يوكِلُ أمرَه لغيرِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فعنِ الإمامِ عليٍّ (عليه السلام) -في وصيّةٍ لابنِه الحسنِ (عليه السلام)-: «وألجِئ نفسَكَ في أمورِكَ كلِّها إلى إلهِك، فإنَّكَ تُلجئُها إلى كهفٍ حريز، ومانعٍ عزيز»[5].

وأمَّا مَنْ يرى أسبابَ هذه الدنيا وسيلةً للوصولِ إلى ما يريدُ فنصيبُه الخيبة، وفي المرويِّ عنْ رسولِ اللهِ (صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه): يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: «ما مِنْ مخلوقٍ يعتصِمُ بمخلوقٍ دوني إلَّا قطعتُ أبوابَ السماواتِ وَالْأَرْضِ مِنْ دُونِهِ، فَإِنْ سَأَلَنِي لَمْ أُعْطِهِ، وَإِنْ دَعَانِي لَمْ أُجِبْه‏»[6].

4ـ العملُ بغيرِ علم: وهوَ أخطرُ ما يقعُ فيهِ الإنسان، حيثُ يكونُ العملُ سبباً في بُعدِه عَنِ الوصولِ إلى ما يريد، فعَنِ الإمامِ الصادقِ (عليه السلام): «العاملُ على غيرِ بصيرةٍ كالسائرِ على غيرِ الطريق، لا يزيدُه سرعةُ السيرِ مِنَ الطريقِ إلَّا بُعداً»[7]؛ بلْ إنَّ عملَ العاملِ بغيرِ علمٍ أكثرُ ضرراً؛ لأنَّ ما يوجِبُه منْ فسادٍ أكثرُ ممَّا يُحقِّقُه مِنْ نتائج.

ختاماً، نباركُ لمولانا صاحبِ العصرِ والزمانِ (عجَّلَ اللهُ فرجَه الشريف)، ولوليِّ أمرِ المسلمين، وللمجاهدينَ جميعاً، ذكرى ولادةِ الإمامِ الجوادِ (عليه السلام) في العاشرِ مِنْ شهرِ رجبٍ مِنْ عامِ 195 هجريّة.

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين


[1] الشيخ الإربلي، كشف الغمة في معرفة الأئمة (عليهم السلام)، ج‏2، ص368
[2] سورة آل عمران، الآية 173.
[3] سورة النحل، الآية 91.
[4] الشيخ الصدوق، الخصال، ج1، ص119
[5] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص393، الكتاب 31.
[6] صحيفة الإمام الرضا (عليه السلام)، ص41.
[7] الإحسائيّ، عوالي اللئالي العزيزيّة في الأحاديث الدينيّة، ج‏4، ص73.

2024-01-18