العدل خُلُق المنتظرين
هدف الموعظة ترسيخ مفهوم الانتظار المسؤول، عبر حثّ المؤمن على الالتزام بالعدل ورفض الظلم في حياته وسلوكه، تمهيداً ليكون أهلاً لنصرة الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه). محاور الموعظة 1. العدل ميزان الإيمان 2. العدل محور النهضة المهدويّة 3. الانتظار مسؤوليّة
عدد الزوار: 12العدل خُلُق المنتظرين
هدف الموعظة
ترسيخ مفهوم الانتظار المسؤول، عبر حثّ المؤمن على الالتزام بالعدل ورفض الظلم في حياته وسلوكه، تمهيداً ليكون أهلاً لنصرة الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه).
محاور الموعظة
1. العدل ميزان الإيمان
2. العدل محور النهضة المهدويّة
3. الانتظار مسؤوليّة
تصدير الموعظة
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾[1].
قد يطول أمد الظلم حتّى يظنّ بعض الناس أنّه أصبح قدراً لا يتغيّر، وقد تتراكم مظاهر الجور حتّى يبدو العدل بعيداً عن الواقع، لكنّ القرآن الكريم يضع لنا قاعدة واضحة، مفادها أنّ الله لا يغفل عن ظلم الظالمين، وأنّ تأخّر العقوبة لا يعني غياب الحساب. ومن هنا يأتي الإيمان بالإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه) بوصفه جزءاً من الوعد الإلهيّ بإقامة الحقّ والعدل.
العدل ميزان الإيمان
إنّ العدل في المنظور القرآنيّ ليس قيمةً اجتماعيّةً فحسب، ولا مبدأً يُلتزم به عندما يكون في صالحنا، بل هو تكليفٌ إلهيّ وميزانٌ ينبغي أن يحكم علاقة الإنسان بنفسه وبربّه وبالآخرين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾[2].
ولأنّ العدل قد يصطدم بالهوى والمصلحة والانتماء، شدّد القرآن الكريم في الأمر به، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾[3]، فالمعيار القرآنيّ لا يتغيّر بتغيّر الأشخاص.
من هنا، فإنّ الاختبار الحقيقيّ للعدل ليس عندما يكون الحقّ إلى جانبنا وفي صالحنا، بل عندما يكون على أنفسنا، أو عندما يتعلّق بمَن نختلف معه؛ ولذلك حذّرنا الله تعالى بقوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾[4]، فالخصومة والبغضاء لا تبرّران تجاوز حدود العدل.
وقد جاءت النصوص القرآنيّة شديدةً في التحذير من الظلم، فقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾[5]، وقال: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾[6]، فالظلم انحرافٌ يفسد علاقة الإنسان بالحقّ ويحرمه الهداية والفلاح.
العدل محور النهضة المهدويّة
وإذا كان العدل بهذه المكانة في المنظور القرآنيّ، فإنّه يحتلّ موقعاً محوريّاً في النهضة المهدويّة؛ وقد تواترت الروايات في تأكيد أنّ الإمام المهديّ (عليه السلام) يظهر ليعيد إلى الحياة ميزان القسط، ويواجه واقعاً استشرى فيه الظلم والجور، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «المهديّ من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خَلقاً وخُلقاً، تكون له غيبة وحيرة يضلّ فيها الأمم، ثمّ يُقبل كالشهاب الثاقب، يملؤها عدلاً وقسطاً كما مُلئت جوراً وظلماً»[7]. والتعبير النبويّ «يملؤها عدلاً وقسطاً كما مُلئت جوراً وظلماً» يكشف عن اتّساع هذه النهضة؛ فالمسألة ليست معالجة مظلمة هنا أو إصلاح خلل هناك، وإنّما مواجهة واقعٍ استشرى فيه الجور حتّى ملأ جوانب الحياة، ليأتي الإصلاح المهدويّ شاملاً، يعيد للعدل حضوره وموقعه في حياة الإنسان والمجتمع. ويؤكّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هذا المعنى في رواية أخرى: «منّا مهديّ هذه الأمّة. إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً، وتظاهرت الفتن، وتقطّعَت السبل، وأغار بعضهم على بعض، فلا كبير يرحم صغيراً، ولا صغير يوقِّر كبيراً، فيبعث الله عند ذلك مهديَّنا، التاسع من صلب الحسين، يفتح حصون الضلالة، وقلوباً غفلاً، يقوم في الدين في آخر الزمان كما قمتُ به في أوّل الزمان، ويملأ الأرض عدلاً كما مُلِئت جوراً»[8].
الانتظار مسؤوليّة
من هنا، فإنّ الانتظار الحقيقيّ لا يمكن أن يكون حالةً سلبيّةً يكتفي فيها الإنسان بتمنّي ظهور الإمام، بل هو التزامٌ أخلاقيّ وعمليّ بأن يهيّئ نفسه والمجتمع الذي يعيش فيه ليكون أقرب إلى القِيَم التي ستقوم عليها دولة القسط.
وقد ركّز الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه) على أنّ قضيّة العدل أكبر من أن تُحلّ بالوسائل المادّيّة وحدها؛ لأنّ المشكلة ليست في امتلاك الإنسان للعلم والتكنولوجيا، بل في الاتّجاه الذي يوجّه هذه القدرات؛ ولذلك يقول (قُدِّس سرّه): «قضيّة العدالة لا يمكن حلُّها بواسطة العلم المتطوّر والتكنولوجيا المتقدّمة»، موضّحاً أنّ العلم نفسه قد يتحوّل إلى أداةٍ بيد الظلم والاستكبار إذا لم تحكمه القِيَم الإلهيّة. ثمّ يبيّن أنّه قد «باتت هناك حاجة إلى قوّة معنويّة، قوّة إلهيّة، إلى اليد القويّة للإمام المعصوم، وهو الذي يستطيع القيام بهذه الأمور؛ ولذلك فإنّ المهمّة العظيمة لبقيّة الله (أرواحنا فداه) هي «يملأُ اللهُ به الأرضَ قسطاً وعدلاً»، فالمهمّة العظيمة لذلك العظيم هي القسط والعدل»[9].
وهذا المعنى يحمّلنا مسؤوليّةً مباشرة في فهم الانتظار؛ فإذا كنّا ننتظر إماماً تكون مهمّته إقامة القسط، فلا يصحّ أن يكون العدل قيمةً نطالب بها في الظروف التي تناسب أهواءنا وميولنا، ثمّ نتخلّى عنها عندما تتعارض مع مصالحنا أو مصالح مَن نحبّ. ولا يستقيم أن نستنكر ظلم الآخرين، بينما نمارس الظلم في دوائرنا الصغيرة؛ في البيت، أو في العمل، أو في علاقاتنا الاجتماعيّة، أو في مواقفنا من حقوق الناس. فدولة العدل التي ننتظرها لا تُبنى بعقليّةٍ تبرّر الظلم إذا صدر من القريب، وتدينه إذا صدر من الخصم.
إنّ الانتظار، بهذا المعنى، يبدأ من الإنسان نفسه: أن يتعلّم العدل قبل أن يطالب به، وأن ينصف الآخرين، وأن يؤدّي الحقوق، وأن يرفض الظلم دائماً، وأن ينتصر للحقّ ولو كان على حساب هواه. وكلّما اقترب الإنسان في سلوكه ومواقفه من هذه القِيَم، كان انتظاره أصدق وأعمق؛ لأنّه بذلك يكون لبنةً في المجتمع الذي يستحقّ أن يحمل مشروعها.
[1] سورة إبراهيم، الآية 42.
[2] سورة النحل، الآية 90.
[3] سورة النساء، الآية 135.
[4] سورة المائدة، الآية 8.
[5] سورة الأنعام، الآية 21.
[6] سورة البقرة، الآية 258.
[7] الخزار القمّيّ، كفاية الأثر، ص67.
[8] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج52، ص266.
[9] الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، من كلامٍ له بتاريخ 09/04/2020م.


