يتم التحميل...

إشارات من السيرة حول إيمان أبي طالب (عليه السلام)

لما أراد أبو طالب (رضوان الله عليه) الخروج إلى الشام ترك رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إشفاقاً عليه، ولم يعمل على اصطحابه، فلما ركب أبو طالب (رضوان الله عليه) بلغه ذلك، فتعلق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالناقة وبكى،

عدد الزوار: 14

إشارات من السيرة حول إيمان أبي طالب (عليه السلام)
 
لما أراد أبو طالب (رضوان الله عليه) الخروج إلى الشام ترك رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إشفاقاً عليه، ولم يعمل على اصطحابه، فلما ركب أبو طالب (رضوان الله عليه) بلغه ذلك، فتعلق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالناقة وبكى، وناشده الله في إخراجه معه، فرق له أبو طالب واصطحبه. فلما خرج معه أظلته الغمامة، ولقيه بحيراء الراهب فأخبره بنبوته، وذكر لهم البشارة في الكتب الاولى، فقال أبو طالب (رضوان الله عليه):
 "إن الأمين محمداً في قومه عندي يفوق منازل الاولاد         لما تعلق بالزمام ضممته والعيس قد قلصن بالأزواد
حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا لاقوا على شرف من المرصاد      حبرا فأخبرهم حديثا صادقا عنه ورد معاشر الحساد"
.[1]
 
سيرته مع النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد نبوته:
ولنذكر بعض النماذج التي تبين تفانيه في الدفاع عن الإسلام ونبيه‏ (صلى الله عليه وآله وسلم):
 
1- ذكر أهل السير أن أبا طالب (رضوان الله عليه) علم أن قريشاً أمرت بعض السفهاء أن يلقي على ظهر النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) سلى الناقة إذا ركع في صلاته، وأنهم فعلوا ذلك، فخرج مسخطا ومعه عبيد له، فأمرهم أن يلقوا السلى عن ظهره (صلى الله عليه وآله وسلم) ويغسلوه، ثم أمرهم أن يأخذوه فيمروه على سبال القوم، وهم إذ ذاك وجوه قريش، وحلف بالله أن لا يبرح حتى يفعلوا بهم ذاك، فما امتنع أحد منهم عن طاعته، وأذل جماعتهم بذلك وأخزاهم.
 
2- ولما فقد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة الإسراء، جمع ولده ومواليه، وسلم إلى كل رجل منهم مدية، وأمرهم أن يباكروا الكعبة، فيجلس كل رجل منهم إلى جانب رجل من قريش ممن كان يجلس بفناء الكعبة، وهم يومئذ سادات أهل البطحاء، فإن أصبح ولم يعرف للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خبرا أو سمع فيه سوءا، أومأ إليهم بقتل القوم، ففعلوا ذلك. وأقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المسجد مع طلوع الشمس، فلما رآه أبو طالب قام إليه مستبشراً فقبل بين عينيه، وحمد الله عز وجل على سلامته، ثم قال: "وَاللَّهِ، يَا ابْنَ أَخِي، لَوْ تَأَخَّرْتَ عَنِّي لَمَا تَرَكْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ عَيْنًا تَطْرِفُ -وَأَوْمَأَ إِلَى الْجَمَاعَةِ الْجُلُوسِ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ-. ثُمَّ قَالَ لِوَلَدِهِ وَمَوَالِيهِ: أَخْرِجُوا أَيْدِيَكُمْ مِنْ تَحْتِ ثِيَابِكُمْ".[2]
 
3- ومن المعروف أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يزل عزيزاً ما كان أبو طالب حيا، ولم يزل به ممنوعا من الأذى، معصوماً حتى توفاه الله تعالى، فنبت به مكة، ولم تستقر له فيها دعوة، وأجمع القوم على الفتك به، حتى جاءه الوحي من ربه، فقال له جبرئيل (عليه السلام): "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ لَكَ: اخْرُجْ عَنْ مَكَّةَ فَقَدْ مَاتَ نَاصِرُكَ. فَخَرَجَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) مُسْتَخْفِياً بِخُرُوجِهِ، وَبَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بَدَلًا مِنْهُ عَلَى فِرَاشِهِ مُوقِياً لَهُ بِنَفْسِهِ، وَسَالِكاً بِذَلِكَ مِنْهَاجَ أَبِيهِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي وِلَايَتِهِ وَنُصْرَتِهِ، وَبَذْلِ النَّفْسِ.."[3]
 
دعاء النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) له بعد موته:
ومما يؤيد ما ذكر من إيمان أبي طالب (رضوان الله عليه) أنه لما قبض رضوان الله عليه، أتى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأذنه بموته فتوجع لذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: "امْضِ يَا عَلِيُّ، فَتَوَلَّ غُسْلَهُ وَتَكْفِينَهُ وَتَحْنِيطَهُ، فَإِذَا رَفَعْتَهُ عَلَى سَرِيرِهِ فَأَعْلِمْنِي".[4]
 
ففعل ذلك أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، فلما رفعه على السرير اعترضه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فرق له، وقال: "وَصَلَتْكَ رَحِمٌ، وَجُزِيتَ خَيْراً، فَلَقَدْ رَبَّيْتَ وَكَفَلْتَ صَغِيراً، وَآزَرْتَ وَنَصَرْتَ كَبِيراً".[5]
 
ثم أقبل على الناس، فقال: "أَمَا وَاللَّهِ، لَأَشْفَعَنَّ لِعَمِّي شَفَاعَةً يَعْجَبُ مِنْهَا أَهْلُ الثَّقَلَيْنِ".[6]
 
وقد ذكر المسلمون عامة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سئل فقيل له: مَا تَقُولُ فِي عَمِّكَ أَبِي طَالِبٍ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَتَرْجُو لَهُ؟ قَالَ: أَرْجُو لَهُ كُلَّ خَيْرٍ مِنْ رَبِّي".[7]
 
* منابر الهدى في شهر رمضان المبارك - جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


[1] 10 المفيد، محمد، إيمان أبي طالب، تحقيق مؤسسة البعثة، ط2، بيروت، دار المفيد، 1993م، ص36.
[2] م.ن.
[3] كتاب "إيمان أبي طالب" (ويُعرف أيضاً بـ "رسالة في إيمان أبي طالب") للمؤلف الشيخ المفيد (محمد بن محمد بن النعمان، المتوفى سنة 413 هـ)، ص 24-25.
[4] بحار الأنوار: للعلامة المجلسي، المجلد ٣٥، الصفحة 163.
[5] م.ن
[6] بحار الأنوار: للعلامة المجلسي، المجلد ٣٥، الصفحة ١٩٢ (وفي طبعات أخرى ص ١٦٧).
[7] بحار الأنوار: للعلامة المجلسي، المجلد ٣٥، الصفحة 161.

2026-02-18