الوِفادةُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ
عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنِ الْمِسْمَعِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ [الصادق] (عليه السلام) يُوصِي وُلْدَهُ إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ: «فَاجْهَدُوا أَنْفُسَكُمْ؛ فَإِنَّ فِيهِ تُقَسَّمُ الْأَرْزَاقُ، وَتُكْتَبُ الْآجَالُ، وَفِيهِ يُكْتَبُ وَفْدُ اللَّهِ الَّذِينَ يَفِدُونَ إِلَيْهِ، وَفِيهِ لَيْلَةٌ الْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ»
عدد الزوار: 14الوِفادةُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ
عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنِ الْمِسْمَعِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ [الصادق] (عليه السلام) يُوصِي وُلْدَهُ إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ: «فَاجْهَدُوا أَنْفُسَكُمْ؛ فَإِنَّ فِيهِ تُقَسَّمُ الْأَرْزَاقُ، وَتُكْتَبُ الْآجَالُ، وَفِيهِ يُكْتَبُ وَفْدُ اللَّهِ الَّذِينَ يَفِدُونَ إِلَيْهِ، وَفِيهِ لَيْلَةٌ الْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ»[1].
لقد جعلَ اللهُ عزَّ وجلَّ لعبادِهِ مواقيتَ؛ منها مواقيتُ مكانيَّةٌ كالمساجدِ، والبيتِ الحرامِ، ومقاماتِ المعصومينَ (عليهم السلام)؛ ومنها مواقيتُ زمانيَّةٌ، تتمثَّلُ في الأوقاتِ الشريفةِ للدعاءِ والتوسُّلِ، ومن أعظمِ المواقيتِ الزمانيَّةِ شهرُ رمضانَ المباركُ، فهوَ شهرُ اللهِ عزَّ وجلَّ.
وعملاً بما كانَ يُوصي بهِ الإمامُ الصادقُ (عليه السلام) أولادَهُ، فإنَّ حسنَ الاقتداءِ يفرضُ على المؤمنِ أنْ يُوصيَ أسرتَهُ بوصيَّتِهِ (صلواتُ اللهِ عليه)، وعنوانُها بذلُ الجهدِ في عبادةِ اللهِ في هذا الشَّهرِ.
ويُبيِّنُ الإمامُ الصادقُ (عليه السلام) خصوصيَّةَ الزمانِ في شهرِ اللهِ بما يترتَّبُ فيهِ من نفعٍ للإنسانِ، من تقسيمِ الأرزاقِ وتحديدِ الآجالِ، ولكنَّ أعظمَ ذلكَ أنَّ الإنسانَ -وعلى أساسِ الجهدِ الذي يبذلُهُ في هذا الشَّهرِ- يصبحُ أهلاً لئنْ يكونَ اسمُهُ مُدوَّناً في سجلِّ الضيوفِ الإلهيِّينَ الذينَ يَفِدونَ إلى اللهِ، وهيَ وفادةُ كرامةٍ وإعزازٍ وتعظيمٍ.
والكرامةُ الإلهيَّةُ للصائمِ تتمثَّلُ في العطايا التي يهبُها اللهُ لمَن يَفِدُ إليهِ، فقد قالَ النبيُّ (صلَّى اللهُ عليه وآله): «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَصُومُ يَوْماً مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ حَاسِباً مُحْتَسِباً، إِلَّا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ سَبْعَ خِصَالٍ: أَوَّلُ الْخَصْلَةِ يَذُوبُ الْحَرَامُ مِنْ جَسَدِهِ، وَالثَّانِي يَتَقَرَّبُ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالثَّالِثُ يُكَفِّرُ خَطِيئَتَهُ -أَلَا تَعْلَمُ أَنَّ الْكَفَّارَاتِ فِي الصَّوْمِ يُكَفِّرُ- وَالرَّابِعُ يُهَوِّنُ عَلَيْهِ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، وَالْخَامِسُ آمَنَهُ اللَّهُ مِنَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالسَّادِسُ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَالسَّابِعُ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ طَيِّبَاتِ الْجَنَّة»[2].
والوافدُ إلى اللهِ يلجأُ إليهِ في هذا الشهرِ، فيتَّقي ما يوجبُ غضبَهُ، واللهُ عزَّ وجلَّ يكفيه، ففي الروايةِ عن رَسُولِ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله): «مَا مِنْ عَبْدٍ صَالِحٍ يُشْتَمُ، فَيَقُولُ: إِنِّي صَائِمٌ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، لَا أَشْتِمُكَ كَمَا شَتَمْتَنِي، إِلَّا قَالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: اسْتَجَارَ عَبْدِي بِالصَّوْمِ مِنْ شَرِّ عَبْدِي، فَقَدْ أَجَرْتُهُ مِنَ النَّارِ»[3].
والوافدُ إلى اللهِ يَصِلُ ما أمرَ بهِ رسولُهُ الكريمُ في هذا الشهرِ منَ الأرحامِ، ففي خطبةِ الرسولِ (صلّى الله عليه وآله) في شهرِ رمضانَ: «وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ... وَمَنْ وَصَلَ فِيهِ رَحِمَهُ وَصَلَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَمَنْ قَطَعَ فِيهِ رَحِمَهُ قَطَعَ اللَّهُ عَنْهُ رَحْمَتَهُ يَوْمَ يَلْقَاه»[4].
ومن دعاءِ الإمامِ زينِ العابدينَ (عليه السلام) إذا دخلَ شهرُ رمضانَ: «وَوَفِّقْنَا فِيهِ لِئَنْ نَصِلَ أَرْحَامَنَا بِالْبِرِّ وَالصِّلَةِ»[5]، وهذا البرُّ يتحقّقُ في حدِّهِ الأدنى -كما وردَ في الرواياتِ- بكفِّ الأذى عنهُم، فعنِ الإمامِ الصادقِ (عليه السلام): «صِلْ رَحِمَكَ وَلَوْ بِشَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، وَأَفْضَلُ مَا تُوصَلُ بِهِ الرَّحِمُ كَفُّ الْأَذَى عَنْهَا»[6].
وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين
[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج4، ص66.
[2] الشيخ المفيد، الاختصاص، ص38.
[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج4، ص88.
[4] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص154.
[5] الإمام زين العابدين (عليه السلام)، الصحيفة السجّاديّة، ص188، الدعاء 44.
[6] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص151.


