يتم التحميل...

شهادة الإمام الكاظم (عليه السلام): انتصار المظلومية على سجون هارون

شعر من كان من حواشي هارون الرشيد أنّ أكبر خطر على جهاز الخلافة هو وجود الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام). هناك وقف رجلٌ من أتباع جهاز الحكومة والسّلطة، ورأى أنّ شخصًا راكبًا يأتي من دون أي نوع من الاعتبارات، ومن دون أن يمتطي حصانًا فاخرًا.

عدد الزوار: 30

شهادة الإمام الكاظم (عليه السلام): انتصار المظلومية على سجون هارون

شعر من كان من حواشي هارون الرشيد أنّ أكبر خطر على جهاز الخلافة هو وجود الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام). هناك وقف رجلٌ من أتباع جهاز الحكومة والسّلطة، ورأى أنّ شخصًا راكبًا يأتي من دون أي نوع من الاعتبارات، ومن دون أن يمتطي حصانًا فاخرًا. وبمجرّد أن جاء فُتحت له الطّريق، وعلى الظّاهر في سفر المدينة ذاك نفسه، على ما أظن، ويدخل ويسأل ذاك الرجل: من هو ذا الّذي إذا دخل خضع الجميع أمامه، وفتح له حواشي الخليفة الطّريق ليدخل. قيل له: هذا موسى بن جعفر. وبمجرّد أن قالوا له ذلك، قال: ويلٌ لحماقة هؤلاء، أي بني العبّاس، يُجِلّون شخصًا يريد زوالهم والقضاء على حكومتهم. فقد كانوا يعلمون أنّ خطر موسى بن جعفر (عليهما السلام) على جهاز الخلافة هو خطرُ قائدٍ كبير يتمتّع بالعلم الوسيع والتقوى والصلاح، ويعرفه الجميع، وله أتباعٌ ومحبّون في جميع أرجاء العالم الإسلاميّ، ويتمتّع بشجاعةٍ لا تخيفه أيُّ قوّةٍ مهما بلغت، ولهذا يقف في وجه الأبّهة الظّاهرية لسلطنة هارون، ويتحدّث من دون أيّ محاباةٍ أو مجاملة.

مثل هكذا شخصيّة مجاهدة ومناضلة ومتّصلة بالله ومتوكّلة على الله، لها أنصارٌ في جميع أرجاء العالم الإسلاميّ، ولديها خطّة لأجل إقامة الحكومة والنّظام الإسلاميّين. كان هذا يمثّل أكبر خطر على حكومة هارون. لهذا، قرّر هارون أن يزيل هذا الخطر من أمامه. بالطبع، لقد كان هارون رجلًا سياسيًّا، لهذا لم يقم بهذا العمل دفعةً واحدة. ففي البداية، كان يرغب أن يتمّ هذا الأمر بطريقة غير مباشرة. بعدها وَجد أنّه من الأفضل أن يَسجن موسى بنَ جعفر (عليهما السلام)، لعلّه يستطيع في السجن التفاوضَ معه أو إعطاءه امتيازات، وأن يضعه تحت الضّغوط من أجل حمله على القبول والإذعان والتسليم. لهذا أمر باعتقال موسى بن جعفر (عليهما السلام) وإحضاره من المدينة، ولكن بطريقة لا تخدش مشاعر أهل المدينة، ولا يعرفون ما حلّ بموسى بن جعفر (عليهما السلام). لهذا، صنعوا مركبين ومحملين، ووجّهوا واحدًا منهما إلى العراق وآخر إلى الشام، من أجل أن لا يعرف النّاس إلى أين يأخذون موسى بن جعفر. فجاؤوا بموسى بن جعفر إلى مركز الخلافة في بغداد، وسجنوه هناك، وامتدّ هذا السّجن لوقتٍ طويل. بالطّبع، ليس من المسلّم أنّ الإمام (عليه السلام) قد أُخرج من السّجن دفعةً واحدة واعتُقل مجدّدًا، ولكن من المسلّم أنّه اعتُقل مرّة أخرى من أجل أن يُقتل في السجن، وهذا ما فعلوه.

وفي النهاية قُتل موسى بن جعفر (عليهما السلام) في السجن مسمومًا. ومن أشدّ مرارات سيرة الأئمّة هي شهادة موسى بن جعفر (عليهما السلام). وبالطّبع، لقد كانوا يريدون في ذلك الوقت أن يتظاهروا بالحسنى. ففي الأيام الأخيرة، جاء السنديّ بن شاهك بمجموعة من الوجوه والمشاهير الكبار الّذين كانوا في بغداد ليجتمعوا حول الإمام (عليه السلام)، وقال لهم انظروا إنّ وضع حياته جيّد، ولا يوجد أيّ مشكلة. فقال الإمام (عليه السلام): "نعم، ولكن اعلموا أنّهم سيقتلونني مسمومًا". وقد قُتل الإمام مسمومًا ببضعة حبوب من التّمر، وتحت تلك الأغلال والقيود الّتي قيّدوا بها عنقه وقدميه. وهكذا ارتفعت روح الإمام العظيم والمظلوم والعزيز، في السجن، إلى الملكوت الأعلى، ونال الشهادة.

كان هؤلاء يخافون من جنازة الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) أيضًا، وكذلك من قبر موسى بن جعفر (عليهما السلام). ولهذا عندما أخرجوا جنازة الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) من السّجن، وكانوا يُطلقون الشعارات الّتي تدلّ على أنّ هذا الشخص كان خارجيًّا ويثور على الحكومة، كانوا يقولون هذه الكلمات لكي يجعلوا شخصيّة موسى بن جعفر (عليهما السلام) في مورد التّهمة. وقد كانت أجواء بغداد بالنسبة للجهاز الحاكم أجواءً غير مستقرّة، إلى درجة أنّ أحد عناصر جهاز الحكم نفسه، وهو سليمان بن جعفر - سليمان بن جعفر بن المنصور العبّاسي، أي ابن عم هارون الّذي يُعدّ من أشراف العبّاسيين - قد وجد أنّ هذا الوضع من الممكن أن يخلق لهم مشكلة، فقام بدورٍ آخر، وأحضر جنازة موسى بن جعفر (عليهما السلام) ووضع كفنًا قيّمًا على الجنازة، وجاء بكلّ احترام إلى الإمام في مقابر قريش، الّتي تُعرف اليوم بـ "الكاظميَّين"، ودفنوا الإمام (عليه السلام) في المرقد المطهّر القريب من بغداد، وهكذا ختم موسى بن جعفر (عليهما السلام) حياةً مليئةً بالجهاد.


* من كتاب: تاريخ النبي وأهل البيت (عليهم السلام) – سلسلة المعارف التعليمية - دار المعارف الإسلامية الثقافية

2026-01-12