يتم التحميل...

ما معنى ليلة القدر؟

ليلة القدر

تمثل ليلة القدر عقدة القلب في شهر رمضان، وتبلغ فيها المكرمات قمّة نبوغها، وأمر الله تعالى عباده أن يحيوها بأكرم أعمالهم، ويبلغوا فيها أبلغ آماد الصفاء والخشوع ...

عدد الزوار: 680

تمثل ليلة القدر عقدة القلب في شهر رمضان، وتبلغ فيها المكرمات قمّة نبوغها، وأمر الله تعالى عباده أن يحيوها بأكرم أعمالهم، ويبلغوا فيها أبلغ آماد الصفاء والخشوع ... ثمّ ردّدها في ليالٍ عديدة، كي ينصرف الناس فيها إلى الحسنات، وهم لا يخسرون المعروف إن وفّروه في غير ليلة القدر، بل يحتفظون بآثاراته في ركائزهم، مهما تقادمت العهود، وربما كانت الأخيرة ليلة القدر، فالسابقات ترهف تأهّبهم، واعتيادهم العبادة لليلة القدر....
 
ومن فضل الله سبحانه، أن جعل تصريف الأقدار في هذه الليلة المباركة، التي يخلص الناس فيها لله، وينـزعون من صدورهم الأحقاد، والنوايا السوداء، ويحاولون إشاعة المعاني النبيلة في نفوسهم، فيكون أقرب إلى الأقدار الخيّرة، عمّا لو كانت الأقدار توزّع وتأخذ مقرّراتها ومراكزها والناس منهمكون في اشتباك مستميت حول جيفة الدنيا....
 
وقد قيل: إنّ شهر رمضان هو ليلة القدر.
 
أحاديث في فضلها
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله عزَّ وجلَّ اختار من الأيام يوم الجمعة، ومن الشهور شهر رمضان، ومن الليالي ليلة القدر"[1].
 
وقال صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: "آمنو بليلة القدر، إنها تكون لعليّ بن أبي طالب وولده الأحد عشر من بعدي"[2].
 
وعن الإمام عليّ عليه السلام قال: "قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا عليّ، أتدري ما معنى ليلة القدر؟ فقلت: لا يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
 
فقال: إنّ الله تبارك وتعالى قدَّر فيها ما هو كائن إلى يوم القيامة، فكان فيما قدّر عزَّ وجلَّ ولايتك، وولاية الأئمّة من ولدك إلى يوم القيامة"[3].
 
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "يا عليّ ... ليلة القدر خُصّصنا ببركتها ليست لغيرنا"[4].
 
قال الإمام الباقر عليه السلام: "من وافق ليلة القدر فقامها غفرالله له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر"[5].
 
وعن الإمام الباقر عن آبائه عليه السلام: "أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن تغفل عن ليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين أو ينام أحد تلك الليلة"[6].
 
سأل رجل الإمام الصادق عليه السلام عن ليلة القدر، قال: أخبرني عن ليلة القدر، كانت أو تكون في كلّ عام؟
 
فقال الإمام عليه السلام: "لو رفعت ليلة القدر لرفع القرآن"[7].
 
وعنه أيضاً عليه السلام: "صبيحة يوم ليلة القدر مثل ليلة القدر، فاعمل واجتهد"[8].
 
ليلة القدر ليلة لا يضاهيها في الفضل والمنزلة سواها من الليالي على الإطلاق، والعمل فيها خير من عمل ألف شهر، وفيها من الكرامات والفيوضات الإلهية ما لا يحصى.
 
سِرُّ خفائها
وتعمدت النصوص إبقاء هذه الليلة مرددة بين ثلاث ليالٍ، وقد سئل أبو جعفر عليه السلام في عدّة أحاديث عن ليلة القدر، أيّ الليلتين هي؟ فلم يعيّن، بل قال: "ما أيسر ليلتين فيما تطلب، أو قال ما عليك أن تفعل خيراً في ليلتين"[9].
 
وقد ورد في سرّ خفائها أنه تعالى أخفى هذه الليلة لوجوه:
أحدها: أنه تعالى أخفاها، كما أخفى سائر الأشياء، فإنه أخفى رضاه في الطاعات، حتى يرغبوا في الكلّ، وأخفى الإجابة في الدعاء ليبالغوا في كلّ الدعوات، وأخفى الاسم الأعظم ليعظّموا كلّ الأسماء، وأخفى في الصلاة الوسطى ليحافظوا على الكلّ، وأخفى قبول التوبة ليواظب المكلّف على جميع أقسام التوبة، وأخفى وقت الموت ليخاف المكلَّف، فكذا أخفى هذه الليلة ليعظِّموا جميع ليالي رمضان.
 
ثانيها: كأنه تعالى يقول: لو عيّنت ليلة القدر، وأنا عالم بتجاسركم على المعصية، فربما دعتك الشهوة في تلك الليلة إلى المعصية، فوقعت في الذنب، فكانت معصيتك مع علمك أشدَّ من معصيتك لا مع علمك، فلهذا السبب أخفيتها عليك. رُوي أنه عليه السلام دخل المسجد فرأى نائماً، فقال: "يا عليّ نبهه ليتوضّأ، فأيقظه عليّ، ثم قال عليّ: يا رسول الله إنك سبّاق إلى الخيرات، فلِمَ لم تنبهه؟ قال: لأنّ ردّه عليك ليس بكفر، ففعلت ذلك لتخفَّ جنايته لو أبى". فإذا كان هذا رحمة الرسول، فقس عليه رحمة الربّ تعالى، فكأنه تعالى يقول: إذا علمت ليلة القدر فإن أطعت فيها اكتسبت ثواب ألف شهر، وإن عصيت فيها اكتسب عقاب ألف شهر، ودفع العقاب أولى من جلب الثواب.
 
ثالثها: أني أخفيت هذه الليلة حتى يجتهد المكلّف في طلبها، فيكتسب ثواب الاجتهاد.
 
رابعها:
أنّ العبد إذا لم يتيقّن ليلة القدر، فإنه يجتهد في الطاعة في جميع ليالي رمضان، على رجاء أنه ربما كانت هذه الليلة هي ليلة القدر، فيباهي الله تعالى بهم ملائكته، يقول: "كنتم تقولون فيهم يفسدون ويسفكون الدماء".
 
زاد الرحمة في شهر الله، جمعية المعارف الإسلاميّة الثقافية


[1] كمال الدين واتمام النعمة، الشيخ الصدوق.
[2] الوافي، الكاشاني، ج2.
[3] معاني الأخبار، الصدوق.
[4] بصائر الدرجات.
[5] دعائم الإسلام، القاضي النعمان المغربي، ج1.
[6]  بحار الأنوار، ج94.
[7] تذكرة الفقهاء، العلامة الحلي، ج6.
[8] الأمالي، الصدوق.
[9] مشارق الشموس، المحقق الخوانساري، ج2، ص446.

2024-03-27